رواية المتمرد

1 الأول

رحلة

كعادته إنطلق منير وسط الزحام فهو يعشق الزحام .. القطارات .. المترو علي الرغم من أن صوتي القطار والمترو يشعراه بعدم الأمان وأنهما قادمان لخطف شيء عزيز علي قلبه ولكنه يعشق النظر إليهما عندما يقرر البدء في كتابة رواية جديدة يتوجه تارة إلي محطة القطار وتارة إلي محطة المترو.. يعشق التعمق في مشاكل الآخرين والغوص في أبعاد الشخصيات لاسيما البعد النفسى ثمة تغيير كبير طرأ على شخصيته أحتار كل من حوله في تحليل شخصيته وهو يرى التطور الواقع عليه للأفضل.. يشعر دائما أنه يتقدم.. الخط العريض لشخصيته أنه رومانسى وحالم وطموح ويهوى المغامرات ويعشق التحدي لايفتعل .. يفعل مايشعر به بالضبط دون زيادة أو نقصان.. تصرفاته مرآة لما يعتمل في نفسه.. متفائل دائما ويبث التفاؤل في كل من حوله واضح جدا وصريح لذا يصدقه الجميع فى أي يتصرف يبهر من حوله بهدوئه وعندما يكون ثرثار يستمع له من حوله بإهتمام لأنهم يجدوا في كلامه وبين السطور عبرة أو حكمة أو موقف أو قصة تستحق الوقوف أمامها والتعلم منها.. عندما ينفعل يختبيء كل من أمامه خوفا منه البعض يصفه بالمربك
ماهر جدا في توصيل الرسالة لأي شخص في أي وقت وفي أي مكان بمنتهى السهولة
لايهوى إذاء أحد ولكنه لا يترك حقه يتبع دائما سياسة”قرص الودن” بمعني أنه يقلق من يجرحه لمجرد أن يوصل رسالة مغزاها أنه بمقدوره الرد علي موقفه تجاهه الصاع صاعين ولكنه يترفع عن الأذى لأن فى حياته أولويات اهم من التوقف إمام صغائر الحمقى.. سر نجاح منير فى بساطته يؤمن أنه ليس ملاك أو قديس أو شيطان أو إبليس.. يؤمن أنه غير معصوم من الخطأ ولكن لا يجب أن يتخذ الخطأ حق
مكتسب .. السر أنه لايسعى السعي المرضي إلي المثالية ولكن بساطته تجعل منه شخص مثالي دون عناء منه لأنه يصدق ما يفعله وينغمس في تصرفاته وأفعاله ومواقفه.. لأنه يتصرف بعفوية متناهية وسر سعادته في عزيمته القوية وإرادته الحديدية.. ينجح وينجح وينجح ولا يتفاخر بإنجازاته كل ماسبق اشياء لم تتغير فيه علي مدار سنوات كثيرة ولكن أبرز المتغيرات التى طرأت على شخصيته أصبح أكثر واقعية .. صحيح هو غير مؤذي ويمنح للآخرين فرصة مرة وأخرى وثالثة ولكن عندما يغضب يقلب الترابيزة بشكل
يرعب من حوله هو لا يكره أحد لأنه مؤمن أن المشاعر السلبية من عينة الكره والحقد والفل لاتؤذى سوى من يحملها إلي الأخرين فى حياته أشخاص يحبهم وأشخاص لايحبهم ولا يكرههم ولا يفكر فيهم من الأساس هو يركز مع نفسه فقط ولكن يهب حياته إلي من يحبهم إذا شعر أنهم في حاجة إليه.. إنطلق المترو من محطة المرج الجديدة وجلس منير موزعا نظراته مابين النظر من شباك المترو والنظر إلى الركاب من حوله فهذه متسولة ترتدى النقاب وهذا شخص صوته عالى يبيع كروت الشحن وعلي بعد خطوات مجموعة من الشباب يتخذوا السخرية من الركاب وسيلة للضحك-إنها السخافة-.. الأصوات المرتفعة المتداخلة تختلط ببعضها وتخرج ضجيج لا يطاق فيهرب منه بالنظر من الشباك.. اليوم قرر أن يتمرد من جديد ويركب المترو إلي اخر الخط ياله من مجنون وهو فى عزبة النخل تذكر أول فتاة قابلها فى حياته”امال” حيث رأها لأول مرة فى موقف الأتوبيس في ميدان لبنان وتكرر مشهد رؤيته لها كل يوم فى نفس الميعاد ظل يتابعها من بعيد لبعيد حتى عرف عنها كل شىء حاصلة على ليسانس اداب قسم علم نفس فتاة طموحة وعملية تعمل مدرسة علم نفس في مدرسة ثانوية للبنين وتتسم شخصيتها بالجدية حيث يخشاها الطلاب حاول أن يلفت
إنتباهها ولكنها صدته أكثر من مرة وعندما وجدت إلحاحه قالت له”تعالى إتقدم ونشوف إنت مناسب ولا لأ’ وافقت على مضض كانت دقيقة جدا وتريد أن تعرف عنه تفاصيل التفاصيل كانت غير مقتنعة برغبته أن يسلك مسلك كتابة الروايات وكانت تراه واهم وسطحي وكانت جملتها المتكررة دائما له’الهبل ده مياكلش عيش وميفتحش بيت” عندما
إقترب منها شعر أنها لاتناسبه مطلقا وتحبطه دائما وتسفه من أفكاره ومتسلطة وتريد أن تحجر على قناعاته فقال لها”
إنتي ابعد كتير من إنك تفهمينى روحى إتجوزى موظف بمرتب كبير يدخل عليكى ببطيخة جورنال وريحته وحشة”
ومنها إلي مني ذات مرة كان فى طريقه إلي تسليم رواية جديدة فى إحدي دور النشر وفى العمارة التي توجد بها دار النشر قابل منى في الأسانسير فبهرته بشياكتها وروحها الخفيفة وكعادته طاردها وللحق لم يجد صعوبة فى لفت نظرها تقدم لها ووافقت وتمت خطوبتهما ولكنه عانى من تحررها وسهرها الدائم فى الكافيهات والديسكوهات فكان لابد أن يحسم أموره.. واجهها فوصفته بالرجعية فخلع لها الدبلة وقال لها “دي تجربة تعلمنى إن مش كل اللى بيلمع ذهب” ومنها إلي نشوى التي تعرف عليها أثناء زيارته لصديقه حسن فى المستشفى حيث كانت في زيارة إلى عمها الذى كان يرقد في الغرفة المجاورة لحسن وكعادته صمم أن يتعرف عليها وعلم أنها خريجة كلية تجارة خارجية ولكنها
كانت غامضة وحزينة دائما وعلى الرغم من محاولاته المستميتة لبث التفاؤل إلا أنها كانت تسرح كثيرا.. فجأة
تغيرت معاملتها وقررت أن تعامله برومانسية وذات مرة ندهت عليه بالخطأ وقالت يا سيف وجلس يتناقش معها وعلم منها أنها مازلت تحب حبيبها القديم فقرر فسخ الخطوبة
فجأة آفاق فوجد أنه وصل محطة “سراي القبة” إنطلق المترو وعاد إلي ذكرياته فتذكر علياء التى تعرف عليها فى معرض الكتاب ولفتت نظره بثقافتها وجراتها فى التعرف عليه وشعر أنه اخيرا وجد فتاة أحلامه وقرر أن يخطبها ولكن كالعادة تحطمت أحلامه على صخرة واقع شخصيتها حيث وجد أن وقتها كله موزع على الندوات الثقافية والصالونات الأدبية والحديث عن الأدباء والمثقفين ومتابعة الحركة الأدبية في مصر والوطن العربى ولا يوجد أي إهتمام بمستقبلهما سويا فكان لابد من إنهاء الخطوبة
ومنها إلي حنان التي تعرف عليها في إحدي الرحلات والتي ابهرته بتوازنها ولكنه لفت نظره أن حديثها كله عن الأكل والطبيخ والبصل والمخللات والمقارش وعندما يتحدث معها برومانسية لا تتجاوب فحاول لفت نظرها أكثر من مرة دون جدوى فقال لها”أنا مش عايز اتجوز طباخة .. أنا عايز اتجوز إنسانة من لحم ودم تحس بيا فى كل الأوقات اقدر افضفض معاها بكل اللى جوايا وتسمعني وتنصحني وتاخد وتدى معايا فى الكلام.. مش عايز اتجوز واحدة لما اقولها بحبك تقولي ايه رأيك في دقية البامية.. مقدرش أعيش من غيرك .. تقولي عملالك كوسة تاكل صوابعك وراها” ومنها إلي دعاء التي تعرف عليها فى فرح صديقه إبراهيم حيث كانت صديقة العروسة وعلم أنها صحفية وانشغلت عنه في شغلها المصادر الصحفية فقرر أن يفسخ الخطوبة كالعادة
فجأة فاق على عطل في محطة مترو احمد عرابى
وفى محطة سعد زغلول حدثت مشاجرة فى عربة السيدات علي الجلوس
بين المحطة والأخرى يخرج من ذكرياته وينشغل بحدث يقع أمامه
المتمرد
2
لعبة الحياة
على الرغم من إنطلاقه وتحرره وبساطته في التعامل وتحرره من أى ضغوط إلا أنه يؤمن بلعبته العميقة مع الحياة إنها لعبة “شد الحبل” عندما يتملك منه الإكتئاب يؤكد أن الدنيا جذبت الحبل ناحيتها وعندما ينطلق ويكون في قمة سعادته يؤمن أنه جذب الحبل ناحيتها مع الوقت أصبح أكثر حذرا وعندما يكون سعيدا يعش اللحظات الجميلة بكل كيانه وينغمس فيها وفى أدق تفاصيلها.. إنه التمرد الذى يدفعه دائما لأن يثور على الرتابة .. إنه أكثر إنسان ممكن أن تقابله فى حياتك يتعلم من تجاربه عندما يسقط ينهض اقوى كثيرا مما سبق لأن الفشل واليأس والإنهزامية هم اعدائه الحقيقيين لايكل ولا يمل من التمرد ظل سارحا ناظرا من شباك المترو فوجد أمامه محطة دار السلام فإبتسم وتذكر ولاء البنت الشعبية التى صادفها فى الأتوبيس فأفاق علي صوت صياحها أنها تضرب شاب لأنه حاول التحرش بها فعجبته جرأتها
وشجاعته فأنطلق نحوها وقرر أن يكون أشجع منها
فعرف عنوانها وقرر أن يفاجئها ويتقدم لطلب يدها حيث فوجئت به يطرق باب منزلها ودخل فى تحقيق بوليسى من قبل أهلها وقص لهم عن الموقف الذى جعله بتقدم بثبات لخطوبتها تمت الخطبة ولكن كانت الفجوة تتسع بينهما
انها تعاني من تسلط زوج أمها المقيم معها فى الشقة ولكنها تكشر عن أنيابها تجاهه مما يجعل من المشاجرات مشهد متكرر وهذا بدوره إنعكس على تعاملها ونظرتها للرجال حتى منير الذى حاول مرارا وتكرارا محو تلك الصورة القاتمة فى ذهنها بتصرفاته ورومانسيه ولكنها لم تستجيب كانت خشنة ومستسلمة لأفكارها السوداء عن الرجال فكان اللقاء الأخير
وقال لها”أنا حاولت كتير أستوعبك وده واجبى ناحيتك
اللى بيحب حد لازم يستحمله ويستوعبه فى كل الأوقات
لكن لما تبقى بصورة واحدة طول الوقت صعب أوى نكمل مع بعض ” ثم خلع الدبلة وتركها ومنها إلي دلال التى تعرف عليها عندما كان يقدم إحدى رواياته فى إحدى دور النشر
فوجد سكرتيرة جميلة ولطيفة لاحظ بخبرته أنها تختلق
الحوارات معه لكى يبقي معها أطول فترة ممكنة لاحظ ذلك عندما لم يجد صاحب دار النشر وقالت له”هو ناقص له عشر دقائق.. استني هأتاكدلك ” ثم دخلت بالموبايل فى الغرفة وسمع الحوار بينهما وعلم أن صاحب الدار أمامه ساعة ويصل ثم خرجت وقالت له

“اقعد هو خلاص جاى..مش قولتلك ناقص له عشر دقائق”فإبتسم وخلال الساعة كانت تتحرى عنه وتنظر إلى
أصابع يداه وظهرت على وجهها إبتسامة عميقة عندما لم تجد دبلة وكالعادة تمت خطبتهما وإكتشف أنها سطحية
وإهتماماتها كلها منصبة على النوم وكالعادة كان اللقاء الأخير وقال لها” المشكلة إن محور حياتك مينفعش يكون غير جزء من حياتى” ثم حدثه صوته الداخلى اكيد أنا مش ملاك لكن اللي أنا متأكد منه اكتر اني لسه ملقتش الحب الحقيقى.. أيوه محبتش حد فى كل دول.. الفكرة فى أي نهاية لأى علاقة إنك فى كل مرة بتنهى علاقة بتفتكر إن الدنيا هتبقى سودا ومش هتعرف تعيش بعد كده ولما بتصادف حد جديد بتنسى إنت عملت ايه قبل كده.. الحياة لازم تستمر
وصل إلي محطة حلوان واستعد لكي يركب مترو العودة
فشاهد ساندي أول فتاة إعترف لها بمشاعره ومعها طفل صغير وبنت صغيرة تنده علي ابنها منير .. منير إبتسم لأنها أطلقت اسمه على ابنها ولم يلوث المشهد سوى ظهور شخص بكرش ودميم وصوته خشن وغليظ ويوبخها “ماتلمى عيالك اللى مش متربين دول.. فالحة العيال عايزين .. العيال محتاجين جتكوا الارف كلكوا” تنظر إلي منير ثم تنظر بخجل إلي الأرض
فأراد منير أن ينتقم لها فمر من خلف زوجها سعد وضربه بالشنطة وقال له لامؤاخذة يا استاذ فنهره سعد اييييه
مش تفتح
فرد عليه منير أنا اتاسفت لك كون انك فرحان بصوتك دي مشكلتك انت
فرد سعد غلطان وقليل الأدب
نظرت ساندي بتوسل إلي منير وبكي ابنها منير
فرد منير هأسكت علشان ابنك اتخض الله يكون فى عونه
فرد عليه سعد بغضب .. انت عايز تتربى
فرد منير أنا مش هأرد عليك عشان انت مبتفهمش معاك مراتك وعيالك وبتتخانق
يفصل بينهما ركاب المترو
وصل المترو إلي محطة الزهراء ونزل سعد ونهر ساندي انزلى ياللي جايبلنا المشاكل.. سرح منير مرة أخرى وعاد بالذاكرة إلي عندما كان فى الصف الثالث الاعدادى
عندما قابل ساندي صدفة فبهرته بضفيرتها السوداء الداكنة
ومريلتها الرصاصى .. كانت اسعد لحظاته عندما يقابلها على
الكورنيش يتمشيان سويا ويحكيا لبعضهما تفاصيل يومهما
ظلا سويا حتي إلتحقا كلاهما بكلية الآداب قسم تاريخ وبعد التخرج أجبرها أهلها على الزواج من سعد الثرى الذى سافر بها إلي الكويت وانجبت منه منير وريتاج
لقد أشعلت بداخله الحب العذري مرة أخرى
واكتشف أنه مازال يحبها

المتمرد
3
لذة الإنتصار

إبتسم وشرب من الماج ونظر بعمق إلي دخان الشاى الذى يتراقص علي أنغام العندليب وتذكر عندما تركته بأنانية منقطعة النظير سعيا وراء مصلحتها الشخصية وهو أسلوب حياتها منذ أن عرفها كان يعلم هذا تماما ومع ذلك كان يعارض كل من يصفها بالأنانية كان يراهن أنه بحبه سوف يغيرها ويكسب الرهان عليها ولكنها كعادتها راهنت على الخسارة وتركته.. خسرت كل شىء وخذلها من راهنت عليه.. تيقنت أن لعنته مازلت تطاردها أما هو فقد صادفته من غيرت معنى حياته.. من جعلته ينتصر لمبادئه .. من جعلته يبرهن على أن الحب هو الأبقى من جعلته يرى قصة الحب الأسطورية التى عاش من أجل تحقيقها فى الواقع.. إنها رغبته المستميتة فى الرهان على مبادئه.. إنتصرت مبادئه على الواقع المزيف .. تذكر كل هذا عندما شاهد فرح التى تعرف عليها فى نقابة الصحفيين ذات مرة فأبهرته
بذكائها وحديثها المنمق الذى يخرج بميزان كان يتحجج بمقابلة أصدقائه فى النقابة حيث كان له صديق “حسن”
وعندما إقترب منها اكتشف كم كان موهوم وما كان مبهورا به فيها لا يوجد على أرض الواقع.. فاق ثم نهض وأدار موسيقاه المفضلة حيث يعشق الموسيقى الفرنسية القديمة
ثم عاد لتذكر أيامه مع فرح حيث حدد معها موعد ليفاجئها
بموعد الخطوبة إلا أنها باغتته وأخبرته أنها غير راضية عن علاقتهما وتستعد للزواج من اخر وأخذت تعدد له فى مزايا شريكها المستقبلى
بعد بضعة أشهر قابلته صدفة وطلبت منه أن تبدأ معه بداية جديدة فرفض رفضا قاطعا
ومنها إلي سهر التى قابلها فى الميدان وكان مبهورا بنضالها
ولكنه اكتشف بعد فترة إنها من المنتفعين من الثورة
ثم تذكر أيامه في السجن وزنزانته التى تحتكر الرطوبة لصالحها وتخاصم الشمس تذكر عندما احترقت لمبة
زنزانته وطلب لمبة جديدة وتذكروه بعد خمس سنوات..
تذكر سنواته السبع في السجن
تذكر سما التى تعرف عليها قبل دخوله السجن وبمجرد علمها بسجنه تركته وتزوجت
وبعد خروجه من السجن جاءت إليه بعد أن طلقها زوجها ورماها فى الشارع الساعة الثانية صباحا فأستقبلها فى منزله
فطلبت منه العودة فرفض
فاق منير وتوجه إلى فراشه
وفى صباح اليوم التالى ذهب إلى دار مسنين قاصدا جاره القديم عم محروس
جاء إليه عم محروس ونظر له بآسى.. ازيك يا منير يا ابنى
طبطب عليه منير: اخبارك ايه ياعم محروس يارب تكون بخير
محروس فى حزن:ينفع خالد ومحسن أصحابك يعملوا فيا كده قولهم أبوكم نفسوا يشوفكم قبل ما يموت
تتحجر الدموع فى أعين منير: بعد الشر عليك ربنا يبارك في عمرك
يبكى محروس :أنا تعبان أوي يامنير حاسس إن نهايتى خلاص جت.. نفسى اشوفهم قبل ما أموت
منير بتأثر : بعد الشر عليك .. حاضر هأخليهم يجوا غصب عنهم.. يحاول منير التخفيف عن عم محروس ويمنحه شنطة
كل سنة وانت طيب يارب ذوقى يعجبك
يحضنه محروس:ربنا يخليك ليا
منير :ربنا يخليك ويبارك في عمرك
يترك منير محروس ويقرر أن يتمشى وطوال الطريق أخذ فى إسترجاع ذكرياته مع خالد ومحسن منذ طفولتهما وتدليل
محروس لهما حتى زواجهما وتخليهما عن والدهما فى مرضه والتأفف منه ووضعه فى دار مسنين.. ثم توجه إلى دار إيتام وطلب رؤية احمد وهو إبن مسعد جاره وواحد من أعز اصدقائه وتوفى هو وزوجته فى حادث ونجا أحمد ولم يقبل أحد من أقاربه رعايته فأضطر أن يودعه فى دار إيتام
جاء أحمد إلي منير
أحمد:عمو منير واحشني أوي
يبتسم منير : وانت كمان يا حبيبي معلش مقصر فى زيارتك
أحمد بتأثر: مفيش حد بيزورنى اصلا غيرك
منير بتأثر : معلش اوعدك إنى هأزورك دايما ثم يمنحه شنطة كل سنة وانت طيب ياحبيبي
يتعانقا ثم يتركه
وطوال الطريق يتذكر أن مسعد وزوجته كانا هما فقط من يزوراه فى السجن ويحضرا معهما الطعام ويضعا له أموال في السجن

انها الحياة

المتمرد
“4”
الزمن

منير دائم العودة إلى ذكرياته.. الفلاش باك هو أحد الخطوط العريضة فى حياته يعود إلى جميع الذكريات دون إنتقاء .. السعيدة منها ترفع معنوياته والحزينة لاترهق تفكيره فهو لا يجلد ذاته.. منير رجل لا يعرف الندم .. استيقظ منير وتوجه إلى مقابر عمه قرأ له الفاتحة وجلس سارحا فى ذكرياته مع أبناء عمه وكيف نسوا والدهم بمجرد دفنه وحصولهم على الميراث .. انشغل كل واحد فيهم فى نصيبه من التركة ونسوا والدهم رجل الأعمال الذى بدأ من الصفر وشهد صراع أبنائه علي تركته .. داوم منير على زيارة عمه فى حياته وبعد وفاته
ترك قبر عمه وإستعد لحضور زفاف إبنة خالته فى المساء وبعد الزفاف عاد إلى منزله وجلس على مكتبه ليبدأ فى كتابة روايته الجديدة “المهمشون” وهى عبارة عن مجموعة من القصص الإنسانية الحقيقية التى كتب عنها فى عمله

يجلس منير على مكتبه ويكتب القصة الإنسانية الأولى

مشاهد درامية .. أيام البرد والدموع

الجو شديد البرودة والأمطار تتساقط بغزارة
العشوائية تسيطر الناس تجرى يمين وشمال.. يبكى هو هناك حيث يجلس على الرصيف وملابسه المقطوعة متسخة بالطين ويصارع المطر كمن يصارع الأمواج وقت الغرق
يحاول الإحتماء فى بطانية خفيفة .. مهربدة ويركله الناس بعشوائية أثناء الجري للإحتماء من مياه المطر
يبكى بحرقة ولا يعيره أحد أى إهتمام

المشهد الثانى .. جراچ سيارات
بعد الإنتهاء من صلاة الفجر يخرج المصلين من المسجد وتتنوع ملابسهم الثقيلة التى يرتدوها
مابين البالطو والچواكت الثقيلة ومن لا يرتدى جوانتى يفرق يداه للتدفئة من البرد القارص بينما يقف هو هناك مرتديا تيشيرت بنص كم خفيف ويفتح الخرطوم المحمل بالمياه المتأثرة بالصقيع تجاه السيارات لغسيلها ولكنه لا يشعر بالبرد لأنه منهمك فى عمله والمياه الباردة أهم أدواته
ولكنه يرتعش بشدة بعد الإنتهاء من العمل وغلق المياه

المشهد الثالث موقف أتوبيس

زحام ودربكة وبرك مياه تسيطر على الشوارع والناس تمارس
الحركات البهلوانية لتفادى إتساخ ملابسها بالطين
يتوه وسط الزحام إمرأة منكوشة الشعر بجلباب متسخ
تحمل فى يدها طفل يبلغ من العمر عامين ويصرخ من الجوع
وتمسك فى يدها الأخرى طفل يبلغ من العمر خمس سنوات يصرخ مثل أخيه الصغير من شدة البرد حيث لا تسعفه
ملابسه الذى يسيطر على الأجزاء السليمة منها الرقع

قررت ممارسة واحدة من أحب هواياتى ألا وهى التمشية فى شوارع وسط البلد تحت الأمطار وصلت إلى شارع طلعت حرب وفى شارع محمود بسيونى.. يجلس رجل فى العقد الخامس من عمره داخل جروبى يرتدى بالطو مستوردا ويضع أمامه على المنضدة جوانتى باهظ الثمن ويضع فى فمه
سيجار فاخر ويبتسم وينظر أمامه فى اللاب توب الخاص به
وفى خارج جروبى وعلى بعد خطوات من الإكسلانس القابع فى مكانه الأثير
يقف عم صابر على عربة اللب والسودانى مدفئا يداه بنار العربة والشقاء والكفاح ينحتا وجهه ليبدو فى العقد السابع
على الرغم أننى اعلم من خلال متابعته منذ بضع سنوات أنه أيضا فى العقد الخامس مثلا الإكسلانس القابع داخل جروبى

“5”
المهمشون

خرج منير من تحت الدش وعاد لإستئناف الكتابة

تلقيت إتصالا تليفونيا حيث هاتفنى صديقى المذيع أحمد العريبى
الذى يشترى ساعات هواء فى إحدى القنوات الفضائية
وطلب منى أن أقابله فى إحدى شركات الإنتاج فى شارع الهرم لحضور المؤتمر الصحفى لفيلم “لحوم البشر”
ورغم أننى أشعر بالغثيان عندما أزور الأماكن التى تزين مقرها ب يافطة شركة إنتاج وما هى إلا لمجموعة قرروا إختاروا الإتجار فى البشر مع كامل إحترامى الكيانات الحقيقية من شركات الإنتاج الكبرى
ولكنى قررت أن ألبى الدعوة لأرصد الفساد الأخلاقى والإنحطاط فى أقذر معانيه بزعم تقديم فن هادف .. ونسيت أن أعرفك ياصديقى العزيز أننى كنت فى شهر يناير والجو بارد جدا ودرجة الحرارة تكاد تكون تحت فوق الصفر ببضع درجات
دخلت وأنا أفرك فى يداى ولكنى رأيت مجموعة من الفتيات الصغيرات والنساء اللعوب يرتدين فساتين تكشف أكثر ما تستر بكثير وعادة لسانى الزفر غفلنى بإيفيه .. طب دول اللحوم فين البشر فسيطرت على المكان ضحكات خليعة وشعرت فجأة أننى دخلت شقة دعارة أو كباريه فجذبنى صديقى المذيع أحمد العريبى
لم أتحمل المكوث طويلا ونزلت أثناء عودتى إلى المنزل
حاولت إلهاء نفسى عن برودة الجو فلمحته يقف على عربة الفول على أنغام مطربى المفضل عبد الحليم حافظ
فسلمت عليه وطلبت منه سندوتشات فول بالبيض
وبعد دردشة قصيرة عرفت منه أنه أستقر به المطاف للوقوف على عربة الفول بعد أن جرب حظه فى حرف أخرى
مثل النقاشة والنجارة ولكنه فشل فى المضى قدما فى أى
حرفة
تركته وعدت إلى المنزل وخلدت إلى النوم وإستسلمت لثبات
نوم عميق وقبل أن أنام إبتسمت من حال الدنيا
وفى اليوم التالى أستيقظ منير وبعد تناوله الإفطار كتب خطاب إلى شقيقه على المقيم فى باريس ..ثم نزل وهاتف شقيقته مريم المقيمة فى الكويت ثم نزل وقرر ركوب المترو الأخضر من رمسيس متوجها إلى رمسيس بلا هدف اللهم الإ التأمل وصنع حالة وجدانية يحبها
وحدث نفسه قائلا لاتحزن عندما يحتلك الحزن ويسيطر على كيانك وتفشل فى إسعاد نفسك رغم محاولاتك المستميتة لفعل ذلك..حاول أن تسعد أنصارك وعشاقك ومحبينك ..من ينتظرون منك دائما تقديم أفضل ما لديك وأقصى ما تملك لإسعادهم..من يستحقون منك أن تضحى بعمرك ليعيشون وتضحى بسعادتك ليسعدوا وتضحى بوقتك ليشعرون بالأمان..حرر من حولك ولاتشعرهم بالذنب نحوك وحتى لو أساءوا الظن بك..الزمن كفيل أن يثبت مدى إخلاصك وتضحياتك..أحيانا فى طريقنا لإسعاد من نحب يعاندنا الحظ وتخاصمنا الظروف وتأتى محاولاتنا بنتيجة عكسية فيظن من نحبهم أننا نعشق تعذيبهم مع أننا فى كل مرة نفشل أن نكون عند حسن ظنكم نموت من داخلنا ويقتلنا الألم لأن سوء إختيارنا لألية إسعادهم خصم من رصيدنا لديهم وقطع خيط جديد من خيوط ثقتهم بنا..عندما تسعد
من نحبهم والمحيطون بهم..تكون حينها أسعدت نفسك..لأن سعادتك الحقيقية فى سعادة من تحب..سامح وأغفر ولا تسمح المشاعر السلبية أن تحتلك لأنها لاتضر سوى من يحملها للأخرين..جدد شغفك وكون على يقين أن الأحلام الجميلة لا تموت أبدا

“6”
تمرد جديد

وصل المترو إلى محطته الأخيرة وإستعد منير إلى العودة وعاد إلى السرحان والإستماع إلى صوته الداخلى
أحيانا ..تشعر أنك حائر..تائه هل أنت سعيد أم حزين تعيش فى راحة نفسية أم تعتصرك ضغوط الحياة تارة تضحك
دون توقف وأحيانا تعيش فى حزن وإكتئاب..أحيانا تندمج مع من حولك عندما تساهم فى حل مشاكلهم ورفع المعاناة عنهم وأحيانا تشعر برغبة عارمة فى الإنعزال عن من حولك ولاتريد أن تقترب من أحد..تريد أن تبقى وحيدا وتشعر أنك شريدا ولا تحدث أحد أو تسمع أحد حتى لو الضجيج يسيطر على العالم حولك وتسيطر أكبر مكبرات الصوت..لحظات تطلق العنان لأحلامك وترسم أحلامك وطموحاتك وتشعر أنها باتت قريبة جدا منك ولحظات تشعر أن قيود الحياة تكبلك وأن أحلامك وطموحاتك ماتت قبل أن تولد وأن مجرد التفكير فيها مستحيل..أحيانا تفضل الهدوء والسكون وأحيانا تدمن الضجيج والصخب..الجنون تريد أن ترقص ..تغنى بلا سبب..أحيانا تشعر أنك شجاع ولديك من القدرة والقوة على الوقوف بمفردك أمام العالم بآسره..فتشعر أنك أسد أو نمر وأحيانا تشعر أن الجبن سيد الأخلاق فتشعر بأنك أرنب أو فأر
.أحيانا تحاول وتظل تحاول حتى لو كنت متيقن أنه مستحيل وأحيانا تستسلم بلا داع ..أحيانا تفضل السير فى النور لأن ليس لديك ما يدينك وأحيانا تفضل الظلام الدامس بعيدا عن أعين الأخرين..أحيانا تتحدث عن إنجازات قمت بها وتظل تصدع من حولك مع إنها إنجازات زائفة وأحيانا تنجز الكثير والكثير ويتحدث عنك الناس بكل إعجاب وتفضل أنت العمل فى هدوء لاتدرى كل هذه التناقضات كيف تجتمع فى شخصك هل أنت مريض بإنفصام فى الشخصية أم هى طبيعة النفس البشرية
وبينما منير مستغرق مع صوته الداخلى فجأة يفيق على صوت إيمان

إيمان :أزيك يا منير
ينظر إليها ويبتسم ثم يتحرك ليفسح لها لتجلس :الله يسلمك يا إيمام
تجلس بجواره:مبروك نجاح روايتك الجديدة
يبتسم ويتذكر عندما قالت له عند كتابته للروايات “سيبك من الهبل ده” ويبتسم ويقول لها إنتى عاملة أيه فى حياتك

تنظر إلى يداه فلا تجد دبلة : أنا إتطلقت
ينظر أمامه :ربنا يعوضك بالأحسن
إيمان :هو أحنا مينفعش نرجع لبعض تانى
منير :لأ للأسف ..خلى بالك من نفسك
إيمان بإنكسار :حاضر ..بعد أذنك عشان محطتى جت
منير:إتفضلى

“7”
مفاجأة

عاد منير إلى المنزل فوجد ساندى جالسة على السلم المقابل لباب الشقة ومعها إبنها منير وإبنتها ريتاچ فنظر إليها نظرة عميقة بمشاعر كثيرة ولكن تسيطر عليها الحنين

ساندى ..مالك

ساندى: أنا إتطلقت من سعد وماليش غيرك بابا وماما ماتوا
ومحدش من قرايبنا هيرضى إنى أقعد معاه ما إنت عارفهم

يفتح باب الشقة طب تعالى
بعد قليل يخرج منير من المطبخ ومعه كوبان من الشاى
ويضحك ويقول لساندى:إنتى عرفتى منين إنى لسه قاعد فى شقة أبويا
ساندى :إحساسى
يبتسم وينظر إلى ريتاج: ويقول لساندى شبهك أوى

ساندى:أنا عارفة إنى إتخليت عنك زمان واسفة لو جيت عملتلك قلق ..أنا ممكن أنزل أنا والأولاد
منير : مالوش لازمة الكلام ده ..إدخلى إستريحى إنتى والأولاد

وفى الساعة الثالثة صباحا تقلق ساندى وتدخل البلكونة
وتجد منير سأرحا ويداعب بأصابع يده الدخان المنبعث
من ماج الشاى
ساندى:أنا اسفة أنا عارفة إنى على طول تعباك
ينظر إليها
ساندى :أحنا هنتجوز وأنا هأتفاهم مع سعد عشان يسيبلنا الأولاد
تبتسم ساندى:بجد أنا موافقة
يداعبها منير :أيه ده إنتى ماصدقتى
طب هو هيتفاهم فى موضوع إنه يسيبلك الأولاد ده ولا هيعاند
ساندى:لأ اطمن هيسيبهم عشان هيتجوز هو اصلا مبيحبش
غير نفسه
يبتسم منير وينظر لها :يبقى مبروك
يبتسما
تمت

مصطفى محمد