«منحوا البائع مكانًا قانونيًا.. فعاد إلى الشارع».. مفارقة تكشف أزمة الأسواق العشوائية في عين شمس

علاء صقر

تظل الأسواق العشوائية وإشغالات الطريق العام واحدة من أبرز التحديات التي تواجه بعض المناطق في عين شمس، خاصة عندما تتحول الأرصفة والشوارع إلى أماكن لممارسة الأنشطة التجارية، بما يؤثر على حركة المواطنين ويزيد من معاناة الأهالي، ويضع الأجهزة التنفيذية أمام مسؤولية مستمرة للحفاظ على الانضباط وتطبيق القانون.

ومن بين النماذج التي تثير الجدل في هذا الملف، سوق شارع محمد إمام بمنطقة إبراهيم عبد الرازق، والسوق المقام أمام مدرسة الخنساء بمنطقة الزهراء، حيث تتسبب الإشغالات في التأثير على حركة المارة والمظهر العام للمنطقة، وهو ما يجعل التعامل مع هذه الظاهرة أمرًا يتجاوز مجرد إزالة إشغال، ليصبح مرتبطًا بكيفية توفير بدائل قانونية مستدامة للباحثين عن مصدر رزق.

وفي المقابل، تسعى رئاسة حي عين شمس إلى توفير أسواق قانونية وباكيات مخصصة للباعة وأصحاب الأنشطة بأسعار رمزية، لا تتجاوز في بعض الحالات 300 جنيه شهريًا، في محاولة لتحقيق معادلة تجمع بين الحفاظ على مصدر رزق المواطن، ومنع احتلال الأرصفة والشوارع، وإعادة الانضباط إلى الطريق العام.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا يحدث عندما يكون البديل القانوني متاحًا، ثم يختار البعض العودة إلى الشارع؟

الإجابة تكشف جانبًا مهمًا من الأزمة؛ فمواجهة العشوائية لا يمكن أن تعتمد على الحملات التنفيذية وحدها، لأن إزالة الإشغال اليوم لا تضمن بالضرورة عدم عودته غدًا. وهنا تظهر أهمية المشاركة المجتمعية والتزام أصحاب الأنشطة بالمساحات التي جرى تخصيصها لهم، باعتبار أن احترام القانون ليس مسؤولية الأجهزة التنفيذية وحدها.

ومن الوقائع التي تكشف هذه المفارقة، ما نُقل عن واقعة سيدة كانت تستغل الطريق العام في عرض بضائعها، حيث تدخلت الأجهزة التنفيذية لرفع الإشغال، ثم لم تكتفِ بذلك، بل سعت إلى توفير بديل قانوني لها من خلال حجز مكان داخل أحد الأسواق الشرعية، بما يتيح لها الاستمرار في العمل دون التعدي على حق المواطنين في الطريق العام.

إلا أن المتابعة اللاحقة، وفقًا للرواية المنقولة من مصدر تنفيذي، كشفت عن عودة السيدة إلى الشارع مرة أخرى، بينما تحول المكان الذي جرى تخصيصه لها داخل السوق القانوني إلى مساحة لتخزين البضائع، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كان البديل موجودًا، فلماذا الإصرار على العودة إلى المكان المخالف؟

المشكلة هنا لا ينبغي اختزالها في البائع وحده، ولا في الجهاز التنفيذي وحده؛ فهناك مواطن يريد مصدر رزق، ومواطن آخر يريد شارعًا منظمًا يستطيع السير فيه بأمان، وهناك أجهزة تنفيذية مطالبة بتطبيق القانون وتنظيم الشارع، وفي الوقت نفسه توفير حلول وبدائل كلما كان ذلك ممكنًا.

كما أن انتقاد الأجهزة التنفيذية حق مشروع، لكن الحكم على أدائها يجب أن ينطلق من الصورة الكاملة، لا من مشهد إزالة إشغال واحد أو حملة واحدة. فالأجهزة التنفيذية تواجه يوميًا ملفات متشابكة تتعلق بالإشغالات والباعة الجائلين والأنشطة المخالفة، بينما يبقى نجاح جهودها مرتبطًا بدرجة كبيرة بمدى تعاون أصحاب الأنشطة واستجابتهم للبدائل القانونية.

والأهم من ذلك أن الحفاظ على الشارع لا يبدأ وينتهي بالحملة. فالحملة قد ترفع الإشغال، والقرار قد ينظم المكان، والسوق القانوني قد يوفر البديل، لكن استمرار النتيجة يحتاج إلى وعي من المواطن والتزام من صاحب النشاط ومتابعة مستمرة من الأجهزة المختصة.

عين شمس تستحق أن تنتقل من التعامل مع العشوائية باعتبارها أمرًا واقعًا إلى ترسيخ ثقافة احترام القانون وتنظيم الشارع. وهذا لن يحدث فقط من خلال الحملات، وإنما عندما يدرك الجميع أن الطريق العام ملك لكل المواطنين، وأن الرصيف ليس مساحة خاصة للبيع، وأن توفير البديل القانوني يعني في المقابل ضرورة الالتزام به.

المطلوب إذن ليس مواجهة بين الأجهزة التنفيذية والباعة، وإنما معادلة واضحة: الدولة توفر البديل وتطبق القانون، وصاحب النشاط يلتزم بالمكان المخصص له، والمواطن يساند جهود التنظيم ويحافظ على حقه في شارع منضبط.

فإذا كانت هناك باكيات وأسواق قانونية بأسعار رمزية، فإن الحفاظ عليها والاستفادة منها يجب أن يكون جزءًا من الحل، لا أن تتحول إلى مجرد أماكن لتخزين البضائع بينما يستمر النشاط في الوفي النهاية، لن تستطيع الأجهزة التنفيذية وحدها تحويل عين شمس إلى منطقة أكثر تنظيمًا وتحضرًا، كما أن تحميل المواطن وحده مسؤولية العشوائية ليس حلًا. الطريق الحقيقي يبدأ من المشاركة الإيجابية والتزام القانون واستمرار المتابعة.