عن ضياء العوضي وتامر حسني ومستقبل مصر القاتم..
في الهند هناك سينما مشهورة جدًا، اسمها سينما التيلوجو..أفلام بلغة محلية تُحقق نجاح باهر في جنوب الهند، مليارات الدولارات من العوائد، ونجوم محبوبين..والأخطر..جمهور مهووس..الجزيرة الوثائقية أنتجت عنها فيلم موجود في منصتها على يوتيوب واسمه ‘‘ ولاء النجوم‘‘..ساعة من الجنون الخام..هذه السينما ظهرت في الخمسينات، أعجب بها الهنود لأنها تحكي جزءً من قصة بؤسهم في الحياة، لكن بمرور الوقت بدأ الناس يقدّسون الممثلين..حين يمرضون يمتنع الجمهور عن الطعام تضامنًا، وحين يرحلون عن الدنيا يقوم الناس بتشييد المعابد للدعاء لهم..ثم تطوّر الأمر..أصبح النجم إله يُعبد في الأرض..يتقمص الناس شخصيته، يلبسون أزيائه، ويسموّن أولادهم باسمه، ويقيمون دور العبادة المليئة بصوره..وحين يزور المدينة للترويج لفيلمه الجديد، يتقاطر المعجبون لتقبيل أقدامه طمعًا في بركته..ممثل اسمه كيتشا سوديب شعر بالخوف الشديد لما زار إحدى مدن الهند، لم يتصوّر في أشد كوابيسه جموحًا أن يصبح إلهًا، لكن الجمهور يعبده بالفعل، حتى لو نفى الإلوهية عن نفسه..تشاهد الفيلم وتشعر بأنك نُقلت لقطعة من جهنم..كيف يصير الناس هكذا؟.كيف يتخلّون عن إرادتهم الحرّة لصالح تقديس أشخاص لدرجة وصلت بهم للعبودية المطلقة؟..
الهوس بالأفراد مخيف..وإن كانوا في بعض أجزاء الهند يؤمنون بألوهية نجوم السينما، لدواعي الفقر وتردي التعليم في تلك المناطق..ففي الولايات المتحدة قلعة العلم والتكنولوجيا يصل الناس لمراحل أشد فتكًا من الهوس..والقصة الأشهر لا شك والتي يعلمها الجميع هي قصة جونز تاون..حينما نجح شخص واحد ويُدعى جيمس جونز في إقناع ألوف البشر بتأسيس مذهب ديني جديد يناهض الكاثوليك والبروتستانت، وكان أتباعه من الطبقة المتوسطة، مدرسين وممرضين وعمّال وربات بيوت، لم يصدقوه فحسب..بل خرجوا معه صوب جزيرة نائية وهي جيانا، وتعلموا على يديه مباديء استخدام السلاح الأبيض، وحين شعر الرأي العام الأميركي بالقلق، أرسل الكونجرس وفدًا للجزيرة لمعاينة تلك الطائفة..فما كان من الأتباع أنفسهم إلا أن قاموا بتصفية أحد أعضاء الوفد..ثم كانت الطامة الكُبرى حينما استجاب مئات البشر..913 بالتمام والكمال لطلب جونز زعيم الطائفة وقاموا سويًا بالانت*ار الجماعي سواء بشرب السم أو إلقاء أرواحهم من فوق جرف هار..لدرجة أن الأم كانت تُعطي أطفالها السم بكامل إرادتها..كان هذا هو الملمح الأسوأ للهوس الفردي الجنوني بأوهام الخلاص..في الهند عبادة..وفي أميركا عبادة تفضي لإزهاق الأرواح..
لا يشعر المرء بالقلق من تلك الظواهر..المجتمعات من قديم الأزل وحتى يومنا هذا تعجّ بالخرافات ونظريات التآمر وعُبّاد الأفراد ومسلوبي العقل..كان المرء يعتقد في البداية أن الأمر مرتبط بالجهل..مثلًا حينما دارت معارك هائلة بين اليابان والولايات المتحدة من أجل السيطرة على جزر المحيط الهاديء في الحرب العالمية الثانية، نفّذ المارينز إنزالًا في جزيرة نائية تُدعى تانا..فوجدوا السكان الأصليين يخرون سًجدّا لهم..لا لشيء إلا لأنهم أحضروا معهم بضائع لم يسمعوا بها..وبالتحديد سجائر المارلبورو..كان سكان جزيرة تانا متعجبين من قدرة الإنسان على إخراج دخان من أنفه وفمه..فعبدوا الجنود الأميركيين..عبدوا سجائر المارلبورو وبدأنا نسمع عن مصطلح Cargo Cult أو عُبّاد الحمولة..لا..ليس الأمر مرتبطًا بالجهل..حينما تقرأ القليل ستجد أن لكل مجتمع خرافاته..حتى في أميركا نفسها..يبدأ الأمر في أقصاه من أتباع جيمس جونز إلى أدناه من نظريات رفض التطعيم للأطفال..لا بد أن تجد دومًا في كل المجتمعات فئات رثّة تقف معادية للعلم ومؤمنة بالخرافة ومُصدقّة لنبوءات الخلاص الفردي..لكن ما يقلق حقًا هو نسبتهم للمجتمع..
الهند بها عُباد ممثلي سينما التيلوجو..لكنها صنعت قنبلة ذرية ولديها خامس أكبر اقتصاد في العالم، وتمتلك بنية تكنولوجية هائلة في صناعة البرمجيات لدرجة أن ألمانيا الآن تمنحهم أكبر تسهيلات للتأشيرة في تاريخها المعاصر للاستفادة من عقولهم، ولدرجة أن خريجي المعاهد التكنولوجية والإدارية الرائدة IIT و IIM من الهنود يشغلون كبرى المناصب العالمية في شركات المشروبات الغازية والبنوك في العالم..وأميركا هي أميركا..مختلون معادون للعلم وطوائف غرائبية وحتى طبقة سياسية مختلة مثل اليمين الترامبي لكنها تبقى قوة الابتكار الكُبرى في سيلكون فالي ومنشأ صناعة الأفكار في التخصصات الإنسانية في الجامعات..لذلك تبقى تلك الظواهر المعادية للعلم دائمًا حدًثًا على هامش التاريخ..مجرد أحفوريات يُنظر إليها بمزيج من القرف والاحتقار وتصلح كمواد سينمائية ترفيهية..لكن أن يُصبح مروجو الخرافات هم العمود الأساسي للمجتمع..فهذا أمر يخيف حد الرعب..المشكلة ليست في د.ضياء العوضي الذى أدعو الله أن يخفّف عنه حساب نشر تلك النوعية من الضلالات..بل فيما كشفته علومه الزائفة من خواء سحيق..
بحق الله كيف يتناقش الناس أصلًا في رأي شخص قال ابتداءً بأن السجائر غير مضرة..كل مُدخّن يعلم مقدار تراجع صحته بعد التدخين..النفس وانتظامه، الصدر وآلامه..القدرة على السير والركض وحتى النوم..التدخين أسوأ وأفدح جريمة يرتكبها الإنسان في حق نفسه ولا تحتاج لإثبات..لكن من مصائب قومي أن الناس، جحافل غير معلومة الهوية، تأخذ برأي شخص أفتى طبيًا بأهمية التدخين صحيًا، وهم بأنفسهم قد رأوا بأم أعينهم كيف تذبل صحته حتى الوفاة..بحق الله كيف أصبح الوعي الجمعي قاتمًا لحد اعتبار أن أجهزة استخبارات أجنبية تقف حول وفاة شخص شديد الشراهة في التدخين ويتناول كافة الأطعمة المُضرّة يوميًا..بالله جهاز استخبارات العدو العبري الذي قام بتصفية خيرة علماء إيران النوويين، وكبار قادة القطاع العسكريين..هل هذا الجهاز يقف اليوم ليتتبع مؤسس نظام الطيبات؟..وبعد أن كان أعداءه الكبار فريدون عباسي ومهدي طهرانجي ومحسن فخري زادة والمبحوح والزواري ويحيى المشد..سينتهي به المطاف للطبيب العوضي رحمة الله عليه؟..والله يعني فتاوي الطبيب العوضي الصحيّة هي خير ما يبتغيه أي عدو لتدمير صحة أمة كاملة وتحويلها لأمة من البدناء مقطوعي النفس..هل هذا يُعقل؟..
هل يُعقل أن العالم في واد..صراع حول تقنيات معقدّة ومضايق مائية ومخزونات نووية وطائرات مسيرة وصواريخ باليستية وذكاء اصطناعي..ويخرج فنان لم يشتهر سوى بفتح أزرار قميصه في بداية الألفية ليطالب بتوضيحات عما أسماه فتنة غذائية؟..كيف انحدر النقاش الجمعي في بلد من 120 مليون نسمة لهذا الحد السحيق من السخافة والخرافة؟..أتعرف ما المؤسف بحق؟..أن هذا فعلًا هو الرأي العام المصري..تعلم جيدًا من نقاشاتك مع دوائر حولك أن أغلب الناس يميلون لتصديق كلام غوغائي كنصائح الطبيب المرحوم باعتباره حقيقة مطلقة، وأن الفئات المتعلمة الرافضة لتلك الخرافات هي الأقلية الكاسحة التي تُقابل بالاستنكار..وهذا عين ما تجنيه بالتحديد من نظام تعليمي غلّف الجهل بسوليفانة شيك وأسماها شهادة جامعية..هذا هو أقصى ما سوف تحصل عليه من مجتمع يفتقد الأسس البسيطة لبناء أي عمليات عقلية بديهية من رصد وملاحظة واستنباط واستقراء..مجتمع منفصل عن العالم..مجتمع فجأة اكتشف أن السجائر مفيدة والسكريات صحية..رعب مخيف..
هذا المجتمع الذي يصنع رأيه العام الطبي مغني مثل علي الحجار، وطبيب مثل المرحوم ضياء العوضي وفنان مثل تامر حسني..هو المجتمع المطلوب منه منافسة الكيان وحجز مقعد بين كبار المنطقة من تركيا وإيران..هو المجتمع الذي سوف تربي أولادك فيه، وتأتمن مدرسًا ليعلمهم، فيزرع في أدمغتهم معاداة المعرفة..وتذهب لطبيب يداويهم فتجد في وجهك خرافة تمسح ما خطّه العلم بعقود من البحث والتجريب..هذا المجتمع ابن عقود من الجهل والتجريف الذي للأسف جعل التعليم الجيد مرهونًا بثراء الأسرة، وترك الجهل من حظ الأغلبية الكاسحة، ينجو منه فقط من ثابر، ويهلك الباقون..وتكتشف أن الباقين أصلًا هم مصر الحقيقية..فهلوة وتشغيل دماغ ودجل وخرافة..ضياء العوضي لم يؤسس لجهالات وفقط..ضياء العوضي أزاح الستار عن حقيقة الكثير من الناس في مصر..عن تعليم مهتريء وثقافة ضحلة وخرافة شائعة..ضياء العوضي هو الناس في مصر..وتلك هي الحقيقة المفجعة..والمخيفة جداً!

