كيف نجح الموساد في إختراق إيران ؟!

كيف نجح الموساد في اختراق إيران؟..هذا هو سؤال الساعة..والإجابة ستكون طويلة جدًا..وصادمة جدًا..من أين نبدأ القصة؟..من العام 1978..قبل عام فقط من سقوط شاه إيران أرسل الكيان إثنين من أبرز مسئوليه وهما ‘‘ أوري لوبراني‘‘ و ‘‘روفين مرحاف‘‘..الأول كان سفيرًا للعدو العبري في إيران، أما الثاني فقد شغل منصب رئيس محطة الموساد في العاصمة طهران..التقى الثنائي بالشاه محمد رضا بهلوي للاستماع لوجهة نظره بخصوص الاحتجاجات التي تشهدها بلاده..فاجأهم الشاه بأن كل الأمور مستقرة وبدأ في استعراض سيوفه النادرة ومجوهراته الثمينة..في اليوم التالي غادر الثنائي لوبراني ومرحاف العاصمة الإيرانية صوب تل أبيب، وهناك التقيا بنائب رئيس وزراء العدو، وأخبراه بأن الشاه يعيش منفصلًا عن الواقع، وأن سقوطه مسألة وقت لا أكثر..وكان الكيان العبري يعلم عدوه القادم..الإمام الخوميني..شعبية الرجل من منفاه في باريس كانت أسطورية، شرائطه المسجّلة صوتيًا يسمعها كل شخص في إيران، وخطبه المكتوبة منشورة سرًا على كل رفوف المكتبات المنزلية..كان الخوميني هو التهديد الأول..ما الحل؟..تصفيته في باريس قبل أن يعود إلى طهران..في شارع الملك شاؤول في تل أبيب، اجتمع ايتساك حوفي رئيس جهاز الموساد بأبرز عناصر وكالته لبحث موضوع تصفية الإمام، لم يجد حوفي مساندًا للخطة سوى رجله الوفي مايك هراري، أما بقية الحاضرين فاعتبروها مجازفة لن تمنع في الأخير سقوط الشاه..حُسم الأمر..لن تتم تصفية الخوميني..قرار سوف يندم عليه لاحقًا كل مستوطن في أراضينا المحتلّة..في مطار مهرباد الدولي في إيران هبطت طائرة الخوميني بعد سنوات من المنفي..ولم يكذب الإمام شكوك العدو..وقف قائلًا في أولى خطاباته..الإسلام لم ولن يفنى، وأنه قريبًا سوف يصلي الجمعة في القدس..بدا الخوميني عازمًا منذ الدقيقة الأولى على مواجهة الكيان..الجيش الإيراني كان خامس أقوى جيش على وجه الأرض، صمّمته الولايات المتحدة من أجل أن يكون حامي مصالحها في الخليج العربي، فأغدقت عليه ب 500 طائرة هجومية و1447 دبابة و12 فرقاطة وملايين من قطع السلاح التي يمتلكها 410 ألف جندي هم قوام الجيش الإيراني..رهنت أميركا المستقبل غير المتوقع للحاضر الضيّق، ولم تتخيّل يوماً أن ينتقل كل ذلك العتاد لألد خصومها في المنطقة..رجال الخوميني..رغم تلك القوة الهائلة لم يستطع الخوميني مقارعة العدو العبري، لأنه كان مشغولًا بحملة تصفية واسعة لكبار قادة الجيش من أتباع الشاه..12 ألفًا بالتمام والكمال أزيحوا إما من موقع اتخاذ القرار العسكري أو من على قيد الحياة..جيش إيراني هائل لكنّه بات مفككًا، ولن يمر عام آخر حتى يُختبر..قرّر صدام حسين في العام 1980 استغلال الانهيار العسكري الإيراني لشنّ حرب تهدف إما لاحتلال إيران أو في الحد الأدنى إلغاء اتفاقية شط العرب في الجزائر عام 1975 والتي وقّعها صدام نفسه وتنازل فيها للشاه رضا بهلوي عن حقوق العراق التاريخية في شط العرب بقبول خط الثالوك نقطة حدودية بين البلدين..بدأت الحرب المهلكة التي سوف تتحوّل بعد ثمان سنوات لأطول حرب في تاريخ القرن العشرين..اعتقد الموساد أن الخوميني قد انشغل عن مواجهتهم..وكانت تلك الخطيئة الثانية التي سوف يدفع العبريون أثمانها غاليًا..يطلقون عليه ‘‘الثعلب‘‘..أما اسمه الحقيقي فقد كان ‘‘ علي أكبر محتمشيبور‘‘..درس في مدينة النجف العراقية وهناك التقى للمرة الأولى بالخوميني، ومن تلك اللحظة لم يفترق الرجلان..أوكل الخوميني لمحتشميبور مهمة تدريب كوادر إيرانية على مهام حروب العصابات استعدادًا للمواجهة القادمة مع جهاز السافاك/ الاستخبارات الإيرانية وقت الشاه..كان هناك فصيل واحد في الشرق الأوسط بأكلمه يمتلك الخبرة اللازمة لذلك..منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات..كان حظ الإيرانيين من أتباع الخوميني جيدًا، لن يكون تدريبهم نظريًا أو في معسكرات..بل كان الميدان بلدًا كاملًا..لبنان التي كانت تستعد لبدء الحرب الأهلية التي سوف تستمر خمسة عشر عامًا، بين الكتائب والقوات المسيحية المارونية الغاضبة من تغير التركيبة السكانية لصالح السنة على حساب المسيحيين، وبين عرفات وحلفائه من معسكر الوطنيين اللبنانيين وخصوصًا حركة أمل الشيعية والحزب الشيوعي بقيادة جورج حاوي..خصّص عرفات كتيبة كاملة للإيرانيين، ودربّهم على مختلف أنواع تكنيكات الحروب..يخبرونك الآن بأن أبطال الحركة الخضراء في القطاع كانوا أول حلفاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية..خطأ..بل هي حركة فتح التي فتحت لهم الباب واسعًا..لدرجة أن ياسر عرفات كان أول زعيم عربي على الإطلاق يذهب إلى الخوميني بعد نجاح الثورة، واستخدم في الوصول لطهران طائرة الرئاسة السورية، وصلى وراء الخوميني في بيته وجلس خافض الرأس بين يديه، وهو يستمع إلى الخبر السار..الخوميني سوف يُخصص سدس أموال الزكاة الإيرانية لمنظمة التحرير..كان قرارً خيرًا في مظهره، لكنه أخفى ورائه الكثير من السياسة..والكثر جدًا من المكر الإيراني الفتّاك..فتح هي البوابة الأولى صوب عالم بناء النفوذ الإقليمي والشرعية في قلوب المسلمين لنظام الخوميني..ولكنها ليست أبدا كافية..حركة أمل..ربما سمعت عنها..كانت تُعرف سابقًا بحركة المحرومين، أسّسها الإمام موسى الصدر كحركة احتجاجية على استبعاد شيعة جبل عامل في لبنان من التركيبة السياسية ومن توزيع الثروات اللبنانية التي تتركّز في أيادي النخب البرجوازية المسيحية والسنيّة..لاحقًا سوف تتطوّر حركة المحرومين من الاحتجاج للسياسة..سوف تُصبح حركة أمل..من كان حليفها الأكبر؟..حافظ الأسد الذي كان قد استولى على السلطة في سورية قبل وقت قصير، بعد انقلابه على حلفائه القدامى في اللجنة الخماسية..كانت سورية الأسد جريحة، مرة بفشلها في استرجاع الجولان في حرب تشرين الأول أكتوبر، والثانية كانت أفدح عندما خدع مناحم بيجن الأسد وقام بحملة قصف مروّعة على السوريين المتمركزين في منطقة وادي البقاع اللبنانية في صباح 9 يونيو 1982 وخلال ساعتين قام بتدمير كامل سلاح الجو السوري في المنطقة والمكوّن من 100 طائرة..كانت هزيمة مذلّة للأسد الذي بدأ يفقد خيوط اللعبة في لبنان، ولن يتأخر الوقت قبل أن تفاجئه إيران بالضربة الثانية..كان محتشميبور يعتزم تأسيس قوة موازية مطابقة في المرجعية للثورة الإيرانية..في عام 1982 سيجد ضالته في بعض المنشقين عن حركة أمل وفي مقدمتهم السيد ‘‘ حسين الموسوي‘‘ الذي أسّس حركة جديدة موالية لإيران الإسلامية..سنعرف جميعًا تلك الحركة لاحقًا..الحزب..لماذا شقّت إيران الصف الشيعي اللبناني، وهي التي يُفترض بها حمايته؟..ببساطة لأنها تمتلك أجندة مختلفة عن حافظ الأسد..مواجهة العدو العبري..في صباح الحادي عشر من نوفمبر عام 1982 استقلّ شاب يُعرف باسم ‘‘أحمد جعفر قصير‘‘ سيارة بيضاء وتوجّه بها إلى مقر الحاكم العام العبري في صور..كانت الساعة تُشير إلى السابعة صباحًا..مدّ أحمد يده تحت كرسي سيارته، ضغط زرًا..وبدأت الكارثة..احتاج العدو العبري لثلاثة أيام متواصلة لاستخراج رفات 66 جندي وضابط عبري تحولوا في غمضة عين إلى لحم ملتصق بأعمدة الحديد المنصهرة من خرسانة المبنى..كانت تلك بداية المواجهة المحتومة في بيروت..الشيعة الغاضبون والعدو العبري وحلفائه المسيحيين..ولن تقف أبدًا عند تلك النقطة..في العام التالي، سيقوم رجالات الحزب الموالين لإيران باستهداف الوجود العسكري الأميركي والفرنسي في لبنان مخلفين ما يقارب 400 فرنسي وأميركي..كانت لبنان شرارة بداية المواجهة بين إيران والكيان..لكن حتى تصبح المواجهة مكتملة..كان يتعين على إيران خوض حربها الأولى والأخيرة ضد الأسد في سورية..تُعرف تلك المواجهة في الأدبيات باسم ‘‘ حرب الشقيقين‘‘..ووصلت في بعض فصولها إلى قيام اللواء في الاستخبارات السورية ‘‘ جامع جامع‘‘ باقتياد العشرات من عناصر الحزب، وتصفيتهم جميعًا في ما عُرف لاحقًا باسم مجز*رة ثكنة فتح الله..تلقى الحزب ضربات موجعة على يد حركة أمل وسورية، لكن الدعم الإيراني المتواصل سوف يكفل له الانتصار في المعركة ليصبح الممثل الأول لشيعة لبنان..حقّقت إيران أول أهدافها الإقليمية..ورغم انشغالها بالحرب العراقية، لكنها نجحت للمرة الأولى في تأسيس كيان تابع لها خارج أراضيها..والأهم أنها نجحت في أولى مواجهتها ضد الكيان..ولم تحتاج في ذلك لأكثر من بضع سيارات تحمل مئات الكيلوجرامات من مادة السي فور..ولن تفلت إيران بفعلتها..من الذي لم ينس أرواح 66 من فطائسه في صور؟..ومن الذي كان متخوفًا من هيمنة إيران على المشهد الشيعي اللبناني؟..بالتأكيد العدو العبري..في 16 فبراير عام 1992 حان وقت دفع الثمن..موكب من ثلاث سيارات يتقدّم في النبطية، إحدى سياراته كانت تقلّ السيد عباس موسوي أمين عام الحزب، الذي لم يكن يعلم أن من فوق رأسه تُحلّق طائرة أباتشي عبرية، وأنها خلال ثوان سوف تتطلق علي موكبه 3 ثلاث صواريخ هيلفاير..تأخرت جنازة الأمين العام للحزب لمدة يوم، حتى يتمكّن اللبنانيون من جمع جسده الذي تناثر في كل مكان بفعل قوة الشظايا..لن يكون الرد الإيراني على تصفية موسوي في لبنان..لا..وإنما في أقصى بقاع الأرض..من كان بطل القصة؟..سوف أخبرك..هل تشاهد الآن صاروخ عماد، الذي يبلغ مداه 1700 كم ويحمل شحنة تعادل 1500 كجم من المتف*جرات؟..ذلك الصاروخ الإيراني الذي يدك أنحاء واسعة من أراضينا المحتلّة؟..لماذا سُمي باسم عماد؟..ببساطة لأنه يخلّد ذكرى أحد أقوى رجالات الحزب وإيران في المنطقة العربية..السيد عماد مغ*نية..بعد تصفية الأمين العام للحزب السيد عباس موسوي بأيام، وتحديدًا في 7 مارس عام 1992 قام السيد عماد باستهداف كنيس في أسطنبول، ثم قام بتصفية “إيهود سادان” كبير موظفي الأمن في سفارة العدو في أنقرة..لكن السيد عماد سوف يقدم بعد أيام، وتحديدًا في 17 مارس 1992، على ما لم يتخيّله أحد على وجه الأرض..سيارة محمّلة بالمتف*جرات تقف أمام سفارة العدو في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، وسوف يسمع صداها كل فرد في الكوكب، ولم لا؟..وقد أسقط مغنية عشرين فطيسة من دبلوماسيي ومواطني العدو في الدولة الأميركية اللاتينية..ولن يتوقف الثأر لروح موسوي..وفي الأرجنتين نفسها وبعد عامين تحديدًا في يوليو 1994..سوف تستهدف سيارة أخرى المركز الثقافي اليهو*دي في بوينس آيرس لتخلف تلك المرة أكبر خسارة في صفوف جالية العدو عبر تاريخه الوضيع..85 فطيسة..نجحت إيران في الثأر لرجالتها في لبنان..لكنه نفس الثأر الذي سوف تدفع لقائه كلفة غالية جدًا اليوم..كارثة بكل معنى الكلمة..لكن قبل الحديث عن الكارثة يجب أن أوجز لك السرد السابق حتى تعلم حجم التغيير القادم..إذن اتفقنا أن الثورة الإسلامية في إيران قد عادت منذ الدقيقة الاولى كيان الاحتلال..وأنها نجحت في أهم انتصار لها في الخارج بتأسيس الحزب في لبنان..كما أن طهران استطاعت من خلال أتباعها من الشيعة اللبنانيين إنزال خسائر قاسية بالعدو تقدّر بأزيد من 600 فطيسة من بيروت إلى بوينس آيرس خلال حقبتي الثمانينات والتسعينات..كانت الاستخبارات الإيرانية خلال تلك الفترة تمتلك الغلبة على نظيرتها العبرية بالقدرة على جمع وتحليل البيانات عن أماكن انتشار قوات العدو في لبنان ومقرات إقامة أفراد جهازه الدبلوماسي والاستخباراتي في عواصم العالم..لكن كل ذلك سوف يتغيّر..متى تحديدًا؟..في العام 2002..وجه رئيس الاستخبارات الألمانية نصيحة لرئيس جهاز الموساد مائير داجان مفادها..‘‘أن العبريين دائمًا يتخيلون أنهم أفضل من الآخر، يحطون من قدر العرب والإيرانيين، يعتقدون دومًا أن لهم الغلبة على كل صعيد، حتى يستفيقوا على ضربات أليمة وموجعة تُبدّد سيادتهم‘‘..كانت نصيحة في محلها..بدأ داجان التصرف بواقعية أكثر، وجمّع أفضل معاونيه للبحث عن استراتيجية جديدة لمواجهة إيران..ستأتي النصيحة الأهم من نائب رئيس جهاز الموساد ‘‘تامير باردو‘‘ الذي صمّم استراتيجية جديدة لضرب إيران من العمق..بناء شبكات واسعة من الجواسيس والعملاء، تستهدف المواقع الإيرانية الحسّاسة، وتصفية كبار العلماء الإيرانيين المتورطين في أنشطة تكنولوجية، وزعزعة استقرار نظام الجمهورية الإسلامية..لعلك سوف تسأل نفسك سؤالًا الآن..من هم رجال الموساد في إيران الذين اعتمد عليهم؟..والأهم..لماذا تبدو البيئة الداخلية لإيران قابلة لتجنيد الجواسيس من أبنائها، في مقابل أن هناك دول أخرى لا يُمكن للعدو العبري اختراقها إلى هذا الحد؟..وهذا هو السؤال الأهم على الإطلاق..من هم رجال الموساد في إيران الذين ساعدوا تامير بردو على تنفيذ استراتيجيته؟..هل شاهدت المسلسل الأميركي-العبري الأشهر في العالم الآن؟..مسلسل Tehran المذاع على منصة Apple ؟..فتاة منقبة تدخل مع زوجها إلى طهران على متن رحلة جوية قادمة من الأردن، ثم تدخل إلى الحمام، إلى غرفة بعينها توجد فيها فتاة أخرى ترتدي زي مضيفة طيران..وعلى الفور تقوم الفتاتان بتبديل ملابسهما..المنقبة ترتدي زي المضيفة وتخرج من المطار، أما المضيفة فترتدي زي المنقبة وتغادر مع الزوج المفترض على متن طائرة أخرى أقلعت من طهران صوب العاصمة الهندية نيودلهي..لم تكن المنقبة القادمة من العاصمة الأردنية سوى عميلة للموساد من أصول إيرانية هاجرت قبل سنوات للكيان، ولم تكن المضيفة التي سهلت دخولها سوى منشقة عن النظام الإيراني..لتبدأ بعد ذلك سلسلة من عمليات الجاسوسية داخل إيران تهدف لتدمير البرنامج النووي..وفي كل بضع حلقات يظهر عديد المنشقين الإيرانيين الذين يساعدون رجال الموساد..المسلسل بالتأكيد ترويجي لقوة العدو الاستخباراتية..لكنه يعكس فقط جزءً بسيطًا من الواقع الأكثر مأساوية..من هم هؤلاء المواطنون الإيرانيون الذين يضحون بأرواحهم فعلًا لأجل عيون الموساد؟..يُمكن تقسيمهم لفئات ثلاثة..الأولى وهي الأهم..جماعة مجاهدي خلق..والتي تأسست عام 1962 وكانت تضم كوادر يسارية وليبرالية تقاوم ضد شاه إيران رضا بهلوي، وشاركت بالفعل في إسقاط النظام مع الإسلاميين من أتباع الخوميني، لكن الإمام نفسه هو من قام بتصفية عناصر كثيرة منهم عبر موجة من الإعدا*مات بعد استبباب حكمه، فهاجروا بالألوف إلى المنافي في باريس وواشنطن وبرلين ومونتريال..وأصبح لهم قيادة الآن هي بكل معنى الكلمة عميلة للموساد وال CIA وهي السيدة مريم رجوي، والتي تُشرف على التنسيق بين عناصر مجاهدي خلق الذين ما يزالون باقيين في الأراضي الإيرانية وبين استخبارات العدو..هؤلاء عملاء عقائديون لا يسعون وراء المال، وإنما لتصفية الثأر القديم مع الثورة الإسلامية، ووجدوا ضالتهم في الموساد..أما الفئة الثانية فهي الناقمين من الأقليات الآذرية والبلوشية والكردية وهؤلاء لا يقبلون بسيادة العنصر الفارسي وتهميش وجودهم في المجتمع..والفئة الثالثة بلا شك قوامها الفقراء الباحثين عن المال..هؤلاء هم رجال الموساد..وحجم الخدمات التي قدموها كان مذهلًا..هل أنت متفاجيء من تصفية المرشد الإيراني في بيته؟..تلك مفاجأة بسيطة جدًا لو قارنتها بما حدث في إبريل من العام 2018..في ذلك التاريخ وقف رئيس وزراء العدو كما لو كان ساحرًا على مسرح..يخرج أمام العالم من جيب خفي..55 ألف وثيقة رسمية إيرانية تتضمن كامل تفاصيل المشروع النووي الإيراني..لم يحدث في تاريخ دولة أن خرج ذلك الكم من الوثائق مرة واحدة..كانت هناك حالات مماثلة لا شك..الزوجان يوليوس وإيثل روزنبرج اللذان سربا البرنامج النووي الأميركي للسوفييت، وموردخاي فعنونو اليهو*دي من أصول مغربية والذي فرّ من عاصمة الكيان إلى لندن حاملًا أسرار مفاعل ديمونة وباعها لصحيفة صنداي تليجراف لقاء مبلغ 50 ألف $ قبل القبض عليه من عملاء الموساد في روما وإعادته إلى سجون العدو حيث أمضى 18 عام..لكن 55 ألف وثيقة تفصيلية جمعت على مدار سنوات..لم يحدث..والكارثة سوف تصبح مضاعفة ألف مرة حينما أحكي لك القصص التالية..نبدأها من عام 2010 حينما كان ‘‘مسعود علي محمّدي‘‘ يفتح باب سيارته، قبل أن يتحولّ إلى قطع متناثرة..كان محمّدي عالم فيزياء نووية..وبعد أقل من عام في شارع آرتيش في العاصمة طهران وبنفس التكنيك سوف يتم استهداف سيارة ‘‘ مجيد شهرياري‘‘ عالم فيزياء الكمّ ليلقى ربّه على الفور..بعد أقل من أشهر كان ‘‘داريوش رضائي نجاد‘‘ يسير في الشارع حين باغته مسلحون بمجموعة من الرصاصات أردته صريعًا على الفور..داريوش أيضًا كان عضوًا في البرنامج النووي الإيراني..لكن لا شيء يُعادل تصفية ‘‘محسن فخري زادة‘‘ في نوفمبر 2020..وهو كبير مهندسي البرنامج النووي الإيراني..وكانت عملية باهرة لجهاز الموساد..سيارة مركونة على جانب الطريق بها رشاش آلي ربورت، يتم التحكم فيه بالأقمار الصناعية من قلب تل أبيب..قام عميل إيراني بصف السيارة إلى جوار موكب فخري زادة، ومن قلب تل أبيب وبكبسة زر تم إطلاق قرابة 200 رصاصة على العالم الإيراني حتى سقط صريعًا..لاحق الموساد كبار علماء إيران وسرق وثائق البرنامج النووي في غمضة عين..ألقت إيران القبض على مجموعة تتجاوز الألف شخص من عملاء الموساد داخلها..سأحكي لك قصة أحدهم وهو لاعب الملاكمة الواعد ‘‘ مجيد جمالي فاشلي‘‘..نجح الموساد في تهريبه لأراضينا المحتلة، تلقى تدريبات مكثفة لزراعة المواد الناسفة، وعاد لإيران دون إثارة الشكوك من جهاز الاستخبارات الإيرانية الذي لم يعلم بشأن سفر أحد مواطنيه للكيان..وبمبلغ لم يتجاوز 120 ألف دولار كان ثمنًا لعمالته، قام الملاكم مجيد جمالي بتصفية أحد أبرز علماء إيران مسعود محمدي..أما منفذي عملية داريوش رضائي فكانوا منشقين من جماعة مجاهدي خلق، وكانوا أصلًا يقصدون عالمًا آخر وهو ‘‘سجان رضائي أوشبيلاغ‘‘ لكنهم أخطأوا في الهوية فأردوا عالمًا آخر..تخيّل أن عملاء الموساد لم يكتفوا فقط بتصفية العلماء النوويين الإيرانيين، بل نجحوا في الوصول لقلب البرنامج النووي، تلك المرة ليس لسرقة وثائق، بل لزرع فيروس ‘‘ستكوسنت‘‘ والذي أدّى لتدمير قرابة ألف جهاز طرد مركزي في منشأة نطنز مما أدّى لتأخير البرنامج النووي الإيراني لسنوات..لم يكن الملاكن مجرد عميل منفرد ذهب للعدو وعاد لتنفيذ التصفيات..لا..كان جزء من شبكة واسعة أشرف عليها عملاء آخرون كانوا مسئولين عن التجنيد وأبرزهم “بهزاد أبدولي” و”آراش كاراكاديش”..نفس الرحلة من طهران لأسطنبول ثم لقبرص وأخيرًا أراضينا المحتلة ثم العودة لطهران..ولم يعلم جهاز مكافحة التجسس الإيراني عنهم شيئًا..كانت كارثة..لا..بل فضيحة..كانت إيران دولة قوية في الإقليم، تبني أذرعًا عملاقة في سورية ولبنان والعراق واليمن..لكنها من الداخل كانت تتآكل بفعل استراتيجية نائب رئيس الموساد ‘‘تامير باردو‘‘..قد تظن أن موجة الهجمات التي استهدفت المرشد ومن قبله قادة الحرس ومن قبلهما قائدنا البطل في الحركة الخضراء..تظنها كانت الفاجعة الوحيدة؟..لأ.. الفاجعة بحق أن إيران كانت ممزقة من قلبها لمدة عشرين سنة، كانت مخترقة وينشط فيها عملاء الموساد، يبنون شبكاتهم بين المواطنين والمنشقين، ويجندون العملاء..مئات منهم في كل المواقع الحساسة، وينتظرون ساعة الصفر وحينما جاءت..دمروا أجهزة الطرد المركزي وسربوا الوثائق وقاموا بتصفية أكثر من 15 عالمًا نوويًا لا يُمكن تعويض خبراتهم على الإطلاق..وكانت أسهل مهمة لهم هي تصفية القيادات الكبرى بعد أن توغلوا في كل مفاصل المجتمع..في البرنامج التلفزيوني الشهير The Aron Cohen Show سمح الموساد باستضافة أحد أهم عملاؤه قبل أشهر، والذي سُمي باسم Agent Arash..جلس المواطن الإيراني الخائن يحكي تفاصيل عن تهريبه للمسيرات داخل إيران وعن تجنيد العملاء الذين مكنّوا العدو من ضرب كل المواقع الكبرى في حرب الإثني عشر يومًا..مواطن إيراني فعل كل الموبقات وبمنتهى الهدوء نفّذ المطلوب منه ثم عاد لأراضي العدو..ولم يعلم جهاز الاستخبارات الإيراني كذلك أي شيء..كانت تلك خطيئة إيران التي تدفع أثمانها الآن..كان بيدها القوة في التسعينات على حساب الموساد، لكنها اطمأنت للداخل أكثر مما ينبغي ولم يكن العدو يحتاج إلى أكثر من لحظة غرور زائدة عن الحد، لكي يدمر البنية الداخلية الإيرانية، بجهد منظم طيلة عقدين من الزمن..تصفية المرشد مفاجأة؟..لا..نجاته كانت هي المفاجأة للأسف..وإن سقطت إيران فلن يكون بسبب فارق القوة العسكرية فحسب..بل بدأ هذا كله مع الخيانة الداخلية..وهنا الخوف الأكبر بما لا يُقاس..إيران تقدم لنا تجربة رائدة في صناعة التكنولوجيا النووية والصواريخ الباليستية..لكنها تقدم عبرة هائلة في كيفية الاختراق الداخلي لأمة عريقة، حتى يصبح تصفية قاداتها وسرقة أسرارها أمرًا اعتياديًا..وهذا فعلًا ما يجيب أن يخيف الكل..هناك سيناريو متكرر من فنزويلا لطهران..لا يُمكن للأميركيين الانتصار قبل التأكد من أمر واحد فقط..أن المجتمع مخوخ من الداخل، وأن العملاء على الأرض يوفرون خريطة كاملة من الأهداف، بمنتهى الدقة، لتحييدها أولًا قبل استهداف المنشآت الحيوية..كم مجتمع عربي ينتشر فيه جواسيس العدو؟..كم مجتمع مخترق ويمتلك الموساد بنك كامل من المسئولين وكبار القادة والمواقع العسكرية الحسّاسة؟..أخشى أن الإجابة ستكون صادمة، ولن تعرفها أي دولة إلا عندما يحين وقتها بعد إيران..أتعرف ما هو المدهش حقًا في كل ذلك؟..أن إيران ما تزال صامدة، أنها لم تنهار بعد تصفية المرشد، وأنها وحدها تقارع صواريخ تهطل عليها من ثمانية دول، بينهما قوتان نوويتان..ولولا وجود عقيدة صارمة بين الكثير من أتباع النظام تمنعهم من الانشقاق وتؤمن بالحرب المقدسة ضد قوى الاستكبار..لكانت إيران بعد ساعات فقط من بدء الحرب في خبر كان..هذا هو كنز إيران الخفي الذي منعها من السقوط رغم كثافة العملاء..ولا نعلم إلى أي مدى سيصمد..كيف تمكّن الموساد من تصفية المرشد؟..عندما تملّك الغرور إيران..حدث ذلك قبل خمسة وعشرين سنة..واليوم تدفع إيران الثمن..واليوم نتمنى لها النجاة..ثمة ألف ألف عميل منتشرون في أقطار عربية أخرى، وستكون طهران تجربتهم المعيارية في تدمير بلادهم..ينتظرون فقط إشارة الموساد..وسيحصلون عليها مهما طال الزمن..لا أحد في مأمن..لا أحد مهما ظنّ أنه حليف الأميركيين وصديق الكيان..هذه خطة ستمر على أجساد العرب جميعًا..وهذا حلم ديني لم يدخروا فرصة إلا وأخبروك به..من النيل إلى الفرات !

عالم ملفات
ذو القرنين… الملك العادل الذي جاب الأرض



وليد العسيري

يحكي القرآن قصة ذي القرنين وأنه بدأ التجوال بجيشه في الأرض، داعياً إلى الله، فاتجه غرباً حتى وصل منتهى الأرض المعروفة آنذاك، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (سورة الكهف، الآية 86)، وجاء في تفسير ابن كثير:«أَيْ رَأَى الشَّمْس فِي مَنْظَرها تَغْرُب فِي الْبَحْر الْمُحِيط وَهَذَا شَأْن كُلّ مَنْ اِنْتَهَى إِلَى سَاحِله يَرَاهَا كَأَنَّهَا تَغْرُب فِيهِ».وقد ذكر المفسرون أن سبب تسمية ذي القرنين تعود إلى وصوله للشرق والغرب، حيث يعبر العرب عن ذلك بقرني الشمس، وقيل لأنه كان له ضفيرتان من الشعر والضفائر تسمى قروناً، وقيل كان له قرنان تحت عمامته، وقيل غير ذلك، ولا يخفى أن هذه التفسيرات لم يقم على واحد منها دليل يجب الأخذ به وبالتالي فإن الأمر يظل أمراً غيبياً.

ذُكر ذو القرنين في القرآن الكريم في سورة الكهف بدءاً من الآية 83 حتى الآية 98:  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا * قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.


ووردت روايات في كتب التفسير في سبب نزول قصة ذي القرنين، أن مشركي قريش أرسلوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود في يثرب وقالوا لهم: “سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصِفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَهُمْ عِلْمُ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ”، فقالت أحبار اليهود: “سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّل،ِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَمَا كَانَ نبأه، وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ. فلما سألت قريش النبي الأسئلة الثلاثة، قال لهم: “أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا”، لكن ظل النبي 15 ليلة لا يأتيه الوحي حتى أحزن النبي، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكةَ، ثم جاءه جبريل من الله بسورة الكهف. ضعَّف هذا الحديث ابن حجر العسقلاني وغيره.
أقوال العلماء المسلمين

اختلف أهل التفسير في ذي القرنين فقيل: كان نبيًا، وقيل: كان ملكًا. قال ابن كثير: “والصحيح أنه كان ملكًا من الملوك العادلين”، قال ابن عباس: “كان ذو القرنين ملكًا صالحًا، رضي الله عمله، وأثنى عليه في كتابه” وسئل علي بن أبي طالب عن ذي القرنين؟ فقال: “لم يكن نبيًا ولا رسولاً ولا ملكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا”. وقال وهب بن منبه: “كان له قرنان من نحاس في رأسه”، قال ابن كثير: “وهذا ضعيف”. وقيل: سمي بذي القرنين؛ لأنه ملك فارس والروم، فلقب بهذا. وقيل: لأنه بلغ قرني الشمس شرقًا وغربًا، وملك ما بينهما من الأرض، وقيل: إنه ملك الأرض أربعة: اثنان مسلمان: سليمان، وذو القرنين، واثنان كافران: النمرود، وبختنصر. ورد في تفسير معنى اسمه أنه سمي بذي القرنين لأنه ورد أقصى الأرض في المغرب وأقصاها في المشرق، وقيل بسبب شج قرني رأسه، وقيل غير ذلك، وسبب التسمية غير متفق عليه، وفيها عدة أقوال ذكرها أهل كتب التفسير.

ذُكِر ابن كثير : أن ذا القرنينِ أسلَم على يدَي إبراهيمَ، وطاف معه بالكعبة هو وإسماعيل، وذكر الطبري أنه كان في زمن الخضر، وأن الخضر كان على مُقدَّمِة جيشه، وكان عنده بمنزلة المُشاوِر، الذي هو مِن المَلِك بمنزلة الوزيرِ، وعلق ابن كثير على ذلك فقال: والصحيح أنه -أي الخضر- كان في زمن أفريدون، واستمرَّ حيًّا إلى أن أدركه موسى.


في الیهودیة
ورد في الكتاب المقدس قصة قائد صالح، سُمي بـ لوقرانائيم أو صاحب القرنين في سفر دانيال: أَمَّا الْكَبْشُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَهُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ. وَالتَّيْسُ الْعَافِي مَلِكُ الْيُونَانِ، وَالْقَرْنُ الْعَظِيمُ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ هُوَ الْمَلِكُ الأَوَّلُ. وَإِذِ انْكَسَرَ وَقَامَ أَرْبَعَةٌ عِوَضًا عَنْهُ، فَسَتَقُومُ أَرْبَعُ مَمَالِكَ مِنَ الأُمَّةِ، وَلكِنْ لَيْسَ فِي قُوَّتِهِ. وَفِي آخِرِ مَمْلَكَتِهِمْ عِنْدَ تَمَامِ الْمَعَاصِي يَقُومُ مَلِكٌ جَافِي الْوَجْهِ وَفَاهِمُ الْحِيَلِ. وَتَعْظُمُ قُوَّتُهُ، وَلكِنْ لَيْسَ بِقُوَّتِهِ. يُهْلِكُ عَجَبًا وَيَنْجَحُ وَيَفْعَلُ وَيُبِيدُ الْعُظَمَاءَ وَشَعْبَ الْقِدِّيسِينَ. وَبِحَذَاقَتِهِ يَنْجَحُ أَيْضًا الْمَكْرُ فِي يَدِهِ، وَيَتَعَظَّمُ بِقَلْبِهِ. وَفِي الاطْمِئْنَانِ يُهْلِكُ كَثِيرِينَ، وَيَقُومُ عَلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَبِلاَ يَدٍ يَنْكَسِرُ.[دانيال 8] كما جاء أن ذا القرنين هو أحد ملوك مادي وفارس: أَمَّا الْكَبْشُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَهُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ. وَالتَّيْسُ الْعَافِي مَلِكُ الْيُونَانِ، وَالْقَرْنُ الْعَظِيمُ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ هُوَ الْمَلِكُ الأَوَّلُ.[14]

قال بعض مفسري التوراة أنه يُحتمل أن يكون هو الإسكندر الأكبر، بينما ذُكر الإسكندر في سفر المكابيين الأول لكن لم يتطرق الكتاب أبدًا إلى محاولة الربط بينهما، جاء في سفر المكابيين الأول: إن الإسكندر بن فيلبس المقدوني بعد خروجه من أرض كتيم وإيقاعه بدارا ملك فارس وماداي ملك مكانه وهو أول من ملك على اليونان. ثم أثار حروبًا كثيرة وفتح حصونًا متعددة وقتل ملوك الأرض. واجتاز إلى اقاصي الأرض وسلب غنائم جمهور من الأمم فسكتت الأرض بين يديه فترفع في قلبه وتشامخ. وحشد جيشًا قويًا جدًا. واستولى على البلاد والأمم والسلاطين فكانوا يحملون إليه الجزية. وبعد ذلك انطرح على فراشه وأحس من نفسه بالموت. فدعا عبيده الكبراء الذين نشأوا معه منذ الصباء فقسم مملكته بينهم في حياته. وكان ملك الاسكندر اثنتي عشرة سنة ومات.[المكابيين 1][15] وكذلك ذُكر كورش الكبير في العهد القديم كسفر عزرا الإصحاح 1، وسفر دانيال الإصحاح 6 وسفر أشعياء الإصحاح 44 و45، ووصفه سفر أشعياء بـ «راعي الرب» وقال في الإصحاح 45: «هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمما وأحقاء ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق. أنا أسير قدامك والهضاب أمهد أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف. وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابي. لكي تعرف أني أنا الرب الذي يدعوك باسمك. لقبتك وأنت لست تعرفني». لكن لم يتم التطرق أو الربط بينه وبين لوقرانائيم أو صاحب القرنين.

الخلاف حول هوية ذي القرنين

هناك اختلاف عن هوية ذي القرنين بمقارنة شخصيته بالشخصيات التاريخية، عادة ما يقارن بعض المؤرخين شخصية ذي القرنين بعدة شخصيات تاريخية أمثال الإسكندر المقدوني، وكورش الكبير، والصعب بن مراثد ملك حمير، وحتى أخناتون.يُعرَّف بعض العلماء المسلمين الغربيين والتقليديين الإسكندر الأكبر بأنه هو ذو القرنين.، بينما تشير المصادر الإسلامية القديمة إلى ملك ما قبل الإسلام من جنوب شبه الجزيرة العربية من ملوك حمير واليمن، بينما يميل المودودي إلى أنه كورش الكبير.


الإسكندر الأكبر


في أغلب المسکوکات التي ترجع إلی عهد الإسكندر الكبير يظهر صورته وعلى رأسه قرني كبش.

يرى بعض المؤرخين المسلمين أن هناك تشابه بين قصة الإسكندر الأكبر وقصة ذي القرنين، بينما يرفض ذلك أغلب علماء الدين الإسلامي باعتبار أن الإسكندر المقدوني لم يدين بالتوحيد، ولم يكن مؤمنًا صالحًا مثل ذي القرنين. الاستدلال الأكبر من قِبل المؤرخين أن الإسكندر كان يظهر على رأسه قرني كبس في أغلب المسكوكات، وأنه غزا الشرق والغرب، يقول المورخ الإيراني أبو الفضل البلعمي: «سموا الإسكندر، ذو القرنين لأنه وصل من قرن إلى قرن وتسمى زوايا العالم بالقرن وإحدى الزوايا مكان شروق الشمس والزاوية الأخرى مكان مغرب الشمس وكل زاوية على حدة تسمى قرنا وتسميان قرنين مع بعضهما والله عز وجل سماه في القرآن ذو القرنين».

بينما ينكر ذلك أغلب علماء الدين الإسلامي، ويستدلوا بعدة أدلة، منها أنه لم يكن موحدًا، وأن زمن الإسكندر الأكبر مختلف عن زمن ذي القرنين، فيذكر ابن كثير الدمشقي أنه بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. أما الاختلاف الثالث فأن الإسكندر كان من اليونان، وذي القرنين من العرب. كما يعتقد عدد من علماء المسلمين أن ذي القرنين كان في زمن إبراهيم، وقد ذكر الأزرقي وابن كثير الدمشقي أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم وطاف معه بالكعبة هو وإسماعيل، يقول ابن حجر العسقلاني.

   

الْإِسْكَنْدَر الْيُونَانِيّ كَانَ قَرِيبًا مِنْ زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَبَيْن زَمَن إِبْرَاهِيم وَعِيسَى أَكْثَر مِنْ أَلْفَيْ سَنَة، وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْإِسْكَنْدَر الْمُتَأَخِّر لُقِّبَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْمُتَقَدِّمِ لِسَعَةِ مُلْكه وَغَلَبَته عَلَى الْبِلَاد الْكَثِيرَة، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْفُرْس وَقَتَلَ مَلِكهمْ اِنْتَظَمَ لَهُ مُلْك الْمَمْلَكَتَيْنِ الْوَاسِعَتَيْنِ الرُّوم وَالْفُرْس فَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِذَلِكَ. والْحَقّ أَنَّ الَّذِي قَصَّ اللَّه نَبَأَهُ فِي الْقُرْآن هُوَ الْمُتَقَدِّم. وَالْفَرْق بَيْنهمَا مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدهَا: مَا ذَكَرْته. الثَانِي: أنّ الْإِسْكَنْدَر َكَانَ كَافِرًا، وَكَانَ مُعَلِّمُهُ أَرَسْطَاطَالِيس، وَكَانَ يَأْتَمِر بِأَمْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْكُفَّار بِلَا شَكّ، الثَالِث : كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ الْعَرَب، وَأَمَّا الْإِسْكَنْدَر فَهُوَ مِنْ الْيُونَان.


ويقول ابن تيمية: “وليس هذا الإسكندر هو ذا القرنين المذكور في القرآن كما يظن ذلك طائفة من الناس، فإن ذلك كان متقدمًا على هذا وذلك المتقدم هو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج، وهذا المقدوني لم يصل إلى السد، وذاك كان مسلمًا موحدًا وهذا المقدوني كان مشركًا هو وأهل بلده اليونان كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأوثان”.

كورش الكبير



رسم لكورش الكبير يحمل فوق رأسه تاجا به قرنان.

يعتقد البعض أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو كورش الكبير. أول من اقترح ذلك كان عالم اللغة الألماني ريدشولب في عام 1855، لكنها فشلت في اكتساب متابعين بين العلماء الغربيين، لكنها لاقت رواجًا من قِبل العديد من العلماء والمعلقين الهنود والباكستانيين والإيرانيين أمثال أبو الكلام آزاد، وإسرار أحمد، وأبو الأعلى المودودي، وجواد أحمد غامدي، كما ذكر ذلك الطباطبائي في تفسيره،  وناصر مكارم الشيرازي في تفسيره،  والباحث الأحمدي محمد علي. فيعتقدون أن كورش كان موحدًا، ويستدلون بسفر دانيال 8 الذي يذكر أن ذا القرنين هو أحد ملوك مادي وفارس: أَمَّا الْكَبْشُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَهُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ. وَالتَّيْسُ الْعَافِي مَلِكُ الْيُونَانِ، وَالْقَرْنُ الْعَظِيمُ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ هُوَ الْمَلِكُ الأَوَّلُ.كما سماه سفر أشعياء بـ «راعي الرب» وقال في الإصحاح 45: «هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أممًا وأحقاء ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق. أنا أسير قدامك والهضاب أمهد أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف. وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابي. لكي تعرف أني أنا الرب الذي يدعوك باسمك. لقبتك وأنت لست تعرفني». وكان اليهود يُجلّون كورش الكبير، لأن غزوه هو الذي تسبب في سقوط مملكة بابل وتحرير بني إسرائيل، وكانت القرون رمزًا مألوفًا للقوة في ممالك بلاد ما بين النهرين، وانتشرت غزوات كورش إلى سوريا وآسيا الصغرى في الغرب وإلى السند في الشرق، وامتدت مملكته إلى القوقاز في الشمال. بينما يرى المعارضين لذلك أن شخصية كورش الكبير لا تنطبق مع الصورة التي رسمها القرآن لذي القرنين كقائد مؤمن مجاهد يحارب في سبيل الله، كذلك لم يُدعى قط كورش بلقب ذي القرنين، وأن كورش زردشتي حسب الآثار والنقوش التي تعود لعصره، ولا يوجد دليل على توحيده، فحسب أسطوانة كورش الشهيرة والتي كتبت بأمره بعد غزوه لبابل وتحريره لليهود، ذُكر فيها أن كبير آلهة قدماء البابليين مردوخ أرسل قورش ليخلصهم من حكم الملك البابلي نبو نيد.

ملك من ملوك حمير

وردت بعض الآثار الإسلامية المنسوبة للصحابة والتابعين أن ذا القرنين أنه من ملوك حمير، وكان ملوك حمير التبابعة يحملون ألقاب بها حرف “ذو” مثل: ذو نواس الحميري والملك سيف بن ذي يزن والملك ذو رعين الحميري والملك عمرو ذو غمدان، والملك عامر ذو رياش، والملك إفريقيس بن ذي المنار والملكة لميس بن ذي مرع وغيرهم كثيرون.

واختلفوا في اسمه فقالوا: اسمه الصعب بن مرائد، وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم لإبراهيم في بئر السبع. وفي خطبة قس بن ساعدة قال: “يا معشر إياد، أين الصعب ذو القرنين، ملك الخافقين، وأذل الثقلين، وعمر ألفين، ثم كان كلحظة عين” ويُروى عن ابن عباس أنه سئل عن ذي القرنين من كان، فقال: «هو من حمير، وهو الصعب بن مراثد، وهو الذي مكن الله له الأرض وأتاه الله من كل شي سببا»، وقد سئل كعب الأحبار عن ذي القرنين فقال: «الصحيح عندنا من علوم أحبارنا وأسلافنا أنه من حمير، وأنه الصعب».[38] وذكر المقريزي أن اسمه الصعب بن مراثد بن الحارث الرائش بن الهمال في سدد بن عاد بن منح بن عامر الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود. وقيل: كان اسمه مرزبى بن مرذبة، وذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس. ويقال: هرديس بن فيطون بن رومي بن لنطي بن كسلوجين بن يونان بن يافث بن نوح، وقيل: إنه أفريدون بن أسفيان، الذي قتل الملك الضحاك. وقال أبو جعفر الطبري: “وكان الخضر في أيام أفريدون الملك بن الضحاك في قول عامة علماء أهل الكتاب الأول، وقيل: موسى بن عمران (عليهما السلام) وقيل: إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان على أيام إبراهيم الخليل وإن الخضر بلغ مع ذي القرنين أيام مسيره في البلاد نهر الحياة فشرب من مائه وهو لا يعلم به ذو القرنين ولا من معه فخلد وهو حي عندهم إلى الآن، وقال آخرون إن ذا القرنين الذي كان على عهد إبراهيم الخليل هو أفريدون بن الضحاك وعلى مقدمته كان الخضر وهذا الرأي ضعيف”.

وقد ذكر أيضاً ابن هشام هذا القول (غير جازمًا به) أنه أحد ملوك حمير التبابعة في كتابه التيجان، وأبو الريحان البيروني في كتابه الآثار الباقية عن القرون الخالية، وأجزم بهذا القول نشوان الحميري في كتبه “شمس العلوم” وكتاب “خلاصة السير الجامعة لعجائب أخبار الملوك التبابعة”، وقد جاء في بعض أشعار الحميريين تفاخرهم بجدهم ذي القرنين.

أنكر عدد من المؤرخين هذه الأقوال، وذكروا أن الأشعار التي تذكر ذا القرنين وأنه من حمير غير مسندة، وقد تكون كُتبت بعد الإسلام، وأن الأخبار عن ملوك حمير أشبه بالأقاصيص الموضوعة ولا دليل قوي عليها.

أخناتون

يرى حمدي بن حمزة أبو زيد عضو مجلس الشورى السعودي في كتابه فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، أن ذو القرنين ما هو إلا أخناتون ذلك الملك الفرعوني الداعي للتوحيد.


في الأدب

كان ذو القرنين موضوعاً مفضلاً للكتاب والأدباء. تسرد إحدى النسخ العربية والفارسية من كتاب ألف ليلة وليلة قصة لقاء الإكسندر أو ذي القرنين مع حكماء هنود، لم يكن لديهم ممتلكات سوى حفر القبور على أبواب منازلهم؛ وأوضح ملكهم أنهم فعلوا ذلك لأن اليقين الوحيد في الحياة هو الموت.كما وصف الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي رحلة ذو القرنين الشرقية في إحدى أعماله.

كُتبت ملحمة باللغة الملايوية بعنوان “حكايات إسكندر ذو القرنين”، تصف مآثر خيالية للإسكندر ذو القرنين، حيث تعتقد الملحمة أن الإسكندر الأكبر وذا القرنين هما شخص واحد. وترعم الملحمة أن ذا القرنين كان ملك عظيم حكم مباشرة ممالك مينانغكاباو في سومطرة بإندونيسيا. وأنه كان جد ملوك سومطرة مثلل رجا راجيندرا تشولا المذكور في السجلات التاريخية لملايو.

تحقيقات ملفات