فكرية أحمد السيد..مسيرة إبداع بين الصحافة والأدب

فكرية أحمد السيد.. مسيرة إبداع بين الصحافة والأدب

في مسيرة الصحافة العربية، تبرز أسماء استطاعت أن تجمع بين الجرأة المهنية والوعي الفكري، وأن تحوّل الكلمة إلى أداة لكشف الحقائق ورصد تحولات المجتمع.
ومن بين هذه الأسماء تبرز الكاتبة الصحفية والروائية فكرية أحمد السيد، التي قدمت تجربة مميزة امتدت بين العمل الصحفي الميداني والتحقيقات الاستقصائية والإبداع الأدبي، لتصبح واحدة من الأصوات التي جمعت بين الصحافة والرواية في مسيرة طويلة من العمل والعطاء.

وُلدت فكرية أحمد السيد في محافظة سوهاج، وبدأ شغفها بالكتابة والإعلام منذ سنوات مبكرة، لتلتحق بكلية الآداب قسم الصحافة بجامعة سوهاج، حيث تخرجت عام 1985، لتبدأ بعدها مباشرة طريقها في عالم الصحافة الذي اتسم بالحركة والمغامرة والعمل الميداني.

بدأت مسيرتها الصحفية عام 1986 في جريدة الجمهورية، قبل أن تنتقل إلى جريدة الوفد عام 1987، حيث ارتبط اسمها بالعمل الصحفي الجاد والتحقيقات الاستقصائية الجريئة التي لفتت الأنظار إلى العديد من القضايا الاجتماعية والإنسانية. وفي عام 1990 حصلت على عضوية نقابة الصحفيين، لتصبح جزءًا من الكيان المهني الذي يضم الصحفيين المصريين.

وعُرفت فكرية أحمد السيد بتحقيقاتها الصحفية الميدانية الجريئة، فقد خاضت تجارب استقصائية غير تقليدية لكشف قضايا خفية في المجتمع، حيث انتحلت شخصية متسولة لمدة ثلاثة أيام لتكشف عالم الشحاتين الذي تحول إلى شبكة منظمة، كما انتحلت شخصية فتاة متشردة لتتمكن من دخول مؤسسة لرعاية الأحداث للفتيات وتكشف ما يجري داخلها من أوضاع إنسانية معقدة، وهي تحقيقات تركت أثرًا واضحًا في الرأي العام.

امتدت تجربتها الصحفية إلى خارج مصر، حيث عملت مراسلة ومديرة مكتب جريدة الوفد في دول البينلوكس «هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج» خلال الفترة من عام 1991 وحتى عام 2011، كما عملت مراسلة للقسم العربي في الإذاعة الفرنسية الدولية «آر إف أي» بين عامي 1992 و1995، إضافة إلى عملها مديرة لمكتب جريدة الوطن السعودية في أوروبا خلال الفترة نفسها تقريبًا.

وخلال هذه السنوات كانت من أنشط المراسلين العرب في أوروبا، حيث تابعت العديد من القضايا الدولية المهمة، خاصة في مدينة لاهاي بهولندا، ومن بينها قضية لوكيربي ومحاكمات مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة أمام المحاكم الدولية، إلى جانب تغطيتها لقضايا تمس الجاليات العربية والمصرية في أوروبا، مثل قضية جنون البقر وأوضاع المصريين في المهجر ودور بعض المستشرقين في قضايا التجسس.

كما خاضت تجربة الصحافة الحربية عندما سافرت كمراسلة ضمن بعثة حفظ السلام إلى يوغسلافيا السابقة خلال اشتعال الحرب الأهلية بين الصرب وكرواتيا والبوسنة، حيث نشرت سلسلة من التحقيقات المصورة من أرض المعارك عام 1993 في جريدة الوفد ومجلة الشرق الأوسط اللندنية، وقد سجلت هذه التجربة في عمل أدبي لاحق حمل عنوان «قلوب في طواحين الهواء».

إلى جانب نشاطها الصحفي، كانت فكرية أحمد السيد حاضرة في المشهد الثقافي والأدبي، حيث نشرت سلسلة قصصية أسبوعية صادمة في جريدة الوفد بعنوان «ليالي البؤس في هولندا» و«ليالي البؤس في فرنسا» في أوائل التسعينيات، كما واصلت الكتابة الصحفية من خلال عمودها الأسبوعي «أوراق مسافرة» الذي يعالج قضايا اجتماعية وسياسية برؤية إنسانية.

وقد حصلت على جائزة التفوق الصحفي للمقال من نقابة الصحفيين عام 2013 عن أحد مقالات هذا العمود بعنوان «قانون حسنية»، كما حصلت على دبلوم التدريب الصحفي من اتحاد الصحفيين الأفارقة عام 2018، وشهادة برامج التنمية والتدريب الصحفي من الجامعة الأمريكية في العام نفسه، إضافة إلى عدد من الدورات المهنية في مجالات متعددة.

كما شاركت في العمل الثقافي والمؤسسي، فهي أمين عام مؤسسة البينولوكس والشرق الأوسط للصحافة والنشر في هولندا، وخبيرة في شؤون الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط، كما حصلت على عدد من الدورات المتخصصة من مؤسسات علمية مختلفة، من بينها دبلوم التعديل السلوكي في مجال الأسرة والطفل من هولندا عام 2026.

وفي عام 2021 اختارتها محافظة سوهاج ضمن الشخصيات الأدبية البارزة بالمحافظة، حيث تم إدراج اسمها ضمن كتاب «أعلام ومشاهير من سوهاج» الذي صدر عن مركز المعلومات بالمحافظة.

وإلى جانب عملها الصحفي، قدمت فكرية أحمد السيد تجربة أدبية غنية، حيث أصدرت ستة عشر عملاً أدبياً تنوعت بين الرواية والمجموعات القصصية وأدب الطفل والرواية البوليسية وأدب المقاومة والخيال العلمي، ومن أبرز أعمالها «مملكة العبيد» و«بائعة الورد» و«كورونا في سوق البغاء» و«الملكة والأفاعي» و«تعاويذ عاشق الدم» و«محاكمة الحجر الأسود» و«جثة ستيفان محمد» و«متر إلا ربع» و«حائط بلا مبكى» و«تافوفوبيا الخروج إلى القبو».

وتواصل اليوم عملها الصحفي كمديرة تحرير في جريدة الوفد وكاتبة لعمودها الأسبوعي «أوراق مسافرة»، كما تقدم محتوى إعلاميًا عبر قناتها على منصة يوتيوب بعنوان «حكايات فكرية»، حيث تناقش من خلالها قضايا سياسية واجتماعية وثقافية.

وهكذا تمتد تجربة فكرية أحمد السيد بين الصحافة والأدب، بين التحقيق الميداني والسرد الإبداعي، في مسيرة تؤكد أن الكلمة حين تقترن بالجرأة والوعي تصبح قادرة على توثيق التاريخ وكشف الواقع وصناعة أثر يبقى في ذاكرة القراء.

د. حماد الرمحي

صحفي مصري وعضو نقابة الصحفيين ورئيس تحرير موقع وجريدة بتوقيت مصر الإخباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق

اسم

القائمة الرئيسية