علا عبد الرشيد..رحلة عطاء في ميدان الصحافة

علا عبد الرشيد.. رحلة عطاء في ميدان الصحافة

ليست كل الحكايات المهنية تبدأ بقرار، فبعضها يبدأ بشغف مبكر يتسلل إلى القلب قبل أن تتشكل الملامح النهائية للحلم.
هكذا تبدو سيرة الصحفية الكبيرة علا عبد الرشيد؛ امرأة لم تدخل عالم الصحافة من بابه الوظيفي، بل دخلته من باب العشق القديم للقراءة، ومن بيت كان يعرف قيمة الكلمة ويحسن استقبالها كل صباح.
في منزل يقدّس المعرفة، كان الأب يحرص يوميا على شراء الصحف القومية الكبرى: الأهرام، والأخبار، والجمهورية، ومعها المجلات الأسبوعية اللامعة مثل أكتوبر والمصور، فكان ذلك الطقس اليومي بمثابة التكوين الأول لروح صغيرة أخذت تتفتح على عالم الخبر والرأي والتحقيق والحكاية. ومن بوابة دار المعارف، بما حملته من إصدارات صنعت وجدان أجيال كاملة، من المكتبة الخضراء إلى ألغاز المغامرون الخمسة، بدأ ذلك الخيط السحري الذي ربط بين الخيال والوعي، وبين القراءة والكتابة، وبين الرسم بالحبر والرسم بالكلمات.

منذ سنوات الطفولة الأولى، لم يكن حلم علا عبد الرشيد مجرد أمنية عابرة، بل كان يقينا مبكرا بأن الصحافة ليست مهنة فقط، وإنما قدر ومسار حياة. وما إن التحقت بجامعة القاهرة حتى بدأت أولى خطواتها العملية في السنة الجامعية الأولى، مراسلة من بنها بمحافظة القليوبية لجريدة “الحقيقة” الصادرة عن حزب الأحرار، لتؤكد منذ بدايتها أن الموهبة حين تصاحبها الجرأة تستطيع أن تفتح الأبواب في وقت مبكر. ومن هذه المحطة الأولى، انطلقت رحلتها بين الصحف الحزبية، ثم إلى فضاءات الصحافة العربية، متنقلة باقتدار بين التحقيقات والأخبار والاقتصاد، ومثبتة حضورا لافتا في العمل بالديسك المركزي، حيث برزت قدرتها الاستثنائية على الصياغة المحكمة والالتقاط الذكي للتفاصيل وإخراج النص الصحفي في أفضل صورة. ولم يكن غريبا أن تحظى بإشادات أساتذتها ورؤساء التحرير في كل مؤسسة عملت بها، وأن يثني على أسلوبها ومهاراتها كبار من أهل المهنة، في مقدمتهم الراحل القدير عبد الله إمام، إلى جانب الأسماء الصحفية المعروفة مجدي شندي، ومجدي سرحان، وجمال العاصي، وسامح عبد الله.

غير أن شغف علا عبد الرشيد بالصحافة لم يكن من النوع الذي يكتفي بأداء الواجب المهني أو الوقوف عند حدود التغطية والخبر، بل كان شغفا مشتبكا مع الحلم إلى حد المغامرة. ففي واحدة من أكثر المحطات دلالة في سيرتها، وبينما كانت كثيرات في مثل سنها ينشغلن بالاستعدادات التقليدية للزواج، اختارت هي أن تستثمر تلك الفترة في مشروع صحفي، فاشترت مع زميلين لها رخصة جريدة، وأصدرت أول صحيفة تتولى رئاسة تحريرها وهي لم تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها.
كان ذلك القرار وحده كاشفا عن معدن مختلف، وعن روح تؤمن بأن الصحافة لا تُمارس فقط، بل تُبنى وتُخاض من أجلها المعارك أيضا. وبرغم أن التجربة لم تستمر إلا عددين فقط بسبب المصادرة، فإنها بقيت علامة فارقة في حياتها، تؤكد أن الصحفية الحقيقية لا تقاس فقط بما استمر من مشاريعها، وإنما أيضا بما امتلكته من جرأة المحاولة وصلابة المواجهة.

ولأن الحياة لا تسير دائما في خط مستقيم، ابتعدت علا عبد الرشيد عن العمل الصحفي قرابة ست سنوات لأسباب شخصية، لكن الغواية القديمة لم تغادرها، فعادت إلى المهنة من جديد، لا بوصفها عائدة إلى الماضي، بل بوصفها صاحبة خبرة نضجت أكثر، وإرادة أصبحت أصلب. وبفضل الله، كما تقول، أسهمت في خروج العديد من الصحف والمطبوعات إلى النور، وكان من بينها مجلة اتحاد الصناعات التي عملت بها سكرتيرا للتحرير، قبل أن تواصل حضورها القوي عبر جريدة “الطريق”، التي صنعت من خلالها عددا من التحقيقات التي وُصفت بحق بأنها “خبطات صحفية” مدوية.

في هذا المسار المهني الثري، لم تكن علا عبد الرشيد تكتفي بملاحقة الوقائع، بل كانت تملك حسا صحفيا نافذا يجعلها تسبق الآخرين إلى مناطق الظل. من أبرز ذلك أنها كانت أول من كتب عن قضية اتهام رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى بقتل المطربة سوزان تميم، وتابعت القضية منذ بداياتها، وتناولت مذكرات سوزان تميم في وقت كان فيه كثيرون لا يزالون يترقبون انكشاف الصورة. كما اقتحمت عبر سلسلة من التحقيقات ملفات فساد داخل مؤسسة أخبار اليوم، وأسهم كشفها في الإطاحة بأحد أبرز رموز تلك المرحلة، حيث انتهت الوقائع إلى سجن رئيس مجلس إدارتها الأسبق بعد ثورة يناير، عهدي فضلي. ولم تتوقف عند ذلك، بل كشفت كذلك ملفات فساد في هيئة قصور الثقافة، مؤكدة أن الصحافة بالنسبة إليها ليست مجرد نقل للواقع، وإنما مواجهة واعية مع مواطن الخلل والانحراف، وانتصار دائم لحق الناس في المعرفة.

وعلى امتداد رحلتها، لم يقتصر حضورها على الصحافة المصرية، بل امتد إلى الصحافة العربية، حيث عملت مراسلة لعدد من الصحف والمجلات المرموقة، من بينها الأنباء الكويتية، والأيام البحرينية، ومجلة مال وأعمال، وصحيفة اليوم السعوديتان، كما شغلت منصب مدير تحرير موقع “إضاءة” الذي أسسه الأمير الراحل طلال بن عبد العزيز. وفي كل هذه المواقع، كانت تثبت أن الصحفي الحقيقي لا تحده الجغرافيا، لأن الموهبة الواثقة واللغة الرصينة والمعرفة الدقيقة تبني لصاحبها مكانة عابرة للمؤسسات والحدود.

أما اليوم، فتقف علا عبد الرشيد في موقع يليق بتاريخها الطويل، رئيسة لقسم الديسك المركزي في مجلة أكتوبر، ومسؤولة عن ملف الاتصالات في المجلة وبوابة دار المعارف، إلى جانب انتدابها للعمل في موقع “سبوت” الصادر عن الهيئة الوطنية للصحافة، حيث كانت ضمن المجموعة المؤسسة للموقع عام 2021. وهي أدوار لا تعكس فقط الثقة المهنية الكبيرة التي تحظى بها، وإنما تعكس أيضا ذلك التراكم النادر في الخبرة، القادر على الجمع بين الحس التحريري العالي، والرؤية التنظيمية، والقدرة على بناء المحتوى وتطويره وإدارته.

ولم يكن حضورها المهني منفصلا عن حضورها المؤسسي، فقد انتُخبت عضوا بمجلس إدارة دار المعارف عام 2014، وظلت في هذا الموقع حتى عام 2020، قبل أن تعود عضوا بمجلس الإدارة بالتعيين اعتبارا من مايو 2024 وحتى الآن، في تأكيد جديد على مكانتها المهنية والاعتبارية داخل واحدة من أعرق المؤسسات الصحفية والثقافية في مصر.

غير أن السيرة الحقيقية للعظماء لا تكتمل فقط بما حققوه في المجال العام، بل بما حملوه في المجال الإنساني من مسؤولية وصبر وقدرة على الانتصار للحياة. وفي قلب هذه السيرة، تقف ابنتها الوحيدة علياء، مهندسة أمن المعلومات، بوصفها الصفحة الأجمل والأغلى في كتاب عمرها. فمنذ رحيل والدها وهي في الخامسة من عمرها، تحملت علا عبد الرشيد مسؤوليتها كاملة، وخاضت وحدها رحلة الأمومة بكل ما فيها من أعباء وتحديات وتضحيات، حتى أصبحت ابنتها اليوم نموذجا للنجاح والاستقامة. ولهذا لا تتردد في القول إن علياء هي أعظم إنجازاتها على الإطلاق، وهي عبارة تختصر الكثير؛ لأنها تقول لنا إن المرأة التي صنعت اسمها في الصحافة، وانتزعت مكانتها بالجهد والموهبة، لم تنس أبدا أن أعظم الانتصارات قد تكون تلك التي تتحقق في البيوت، بصبر الأمهات، وبقلوبهن التي تضيء العتمة دون ضجيج.

إن علا عبد الرشيد ليست مجرد صحفية بارزة راكمت الخبرة بين الميدان والديسك، ولا مجرد اسم مهني لامع في عالم التحقيقات والصياغة والإدارة التحريرية، بل هي نموذج مصري أصيل لامرأة عرفت كيف تصنع نفسها وسط التحديات، وكيف تحافظ على شغفها رغم الانكسارات، وكيف تظل وفية للكلمة بوصفها رسالة وشرفا وموقفا. وفي زمن تتبدل فيه المهن وتخفت فيه الأحلام سريعا، تبقى سيرتها شاهدا على أن الأحلام القديمة الصادقة لا تموت، بل تكبر مع أصحابها، وتزداد بريقا كلما دفعوا ثمنها من أعمارهم وجهدهم وصدقهم.

د.حماد الرمحي

صحفي مصري وعضو نقابة الصحفيين ورئيس تحرير موقع وجريدة بتوقيت مصر الإخباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق

اسم

القائمة الرئيسية