لم يكن ليُغير شيء في حبكة «عين سحرية»، لو كان «شهاب الصفطاوي»، شريرًا تقليديًا، أو مُحامي فاسد يسيل لُعابه من أجل المال. و لكن ما يُبرز الشخصية هو الثراء الذي منحه الكاتب لها. ___في المشهد الأول الذي يظهر به شهاب الصفطاوي، يقف مثل فارس العدالة و يُدافع في قاعة المحكمة عن دماء فتيات بريئات، قتلهن الإهمال والإستغلال، تبدو نبرته صادقة، و لمعة عينيه، لمعة رجل يوشك على البكاء لفرط تماهيه مع المأساة التي يُمثلها. لذلك نجد التأثير الدرامي مُضاعفًا عندما نُدرك أنه شرير الحكاية الرئيسي وليس الطيب فيها.___كل ما نعرفه عنه، هو إطار صغير على مكتبه، لا يظهر لفرط ضآلته بالمقارنة مع الإطارات العملاقة الأنيقة لسيدة العدالة العمياء على حوائط مكتبه. ولكن يُحرك هذا الإطار على ضآلته، نوازع شهاب أضعاف ما يُحركها شعارات العدالة التي يتبناها وأطُرها العملاقة على الحائط.____يحمل الإطار صورة، لأخيه، شاب مُبتسم قتلته كارثة ما لا نعلم عنها الكثير، لكننا نعلم أن أقرب الناس إلى شهاب تحول إلى رقم في مأساة، كان موته عاديًا، مر بأقل صخب مُمكن. كأنه لم يوجد أبدًا. ____تتحدث الطبيبة النفسية السريرية Ramani Durvasulaعن نوع خاص من النرجسيين، وهو النرجسي الذي ولدت شروره من رحم «كرب ما بعد الصدمة»، صدمة خلقت آلية وحيدة للدفاع لديه وهي الإنفصال التام عن مشاعر التعاطف، و تحويل الذات إلى كيان أضخم من الحياة نفسها، يتغذى على الجميع كي ينجو، ويرى في كل المرايا انعكاسات ذاته لا من حوله. هذا النوع الذي ينتمي له شهاب الصفطاوي بامتياز. ____لم يثور الصفطاوي أبدًا من أجل الضحية التي خسرها، ولم يُدافع عن فردانيتها، و عن نسيانها في زخم منظومة أكبر بكثير، سواء منظومة علاجية لم تُنصف ضحيته، أو منظومة اجتماعية لم تراه من الأساس. إنما قرر أن يحول ذاته إلى ترس في المنظومة، ترس يتضخم بعنف حتى يصير هو المنظومة نفسها____تنبع شرور الصفطاوي من نقيض مأساته الشخصية، وهي مُحاولته لفعل الخير العام the common good باختبار أدوية خطيرة على فُرادى، أفراد لا تراهم أي منظومة، ولا يستثير غيابهم أي ضجة. ( مثل شقيقه ).____ يرى الصفطاوي أن التضحية بهؤلاء الأفراد ليست ضرورية و حسب إنما نبيلة كذلك، يجعل هؤلاء الأشخاص المُحركين الحقيقيين للتاريخ. مثل فئران التجارب التي قدمت لنا الأمصال، و الآلاف الذين استقبلوا قنبلة هيروشيما وناجازاكي كي تنتهي حرب قتلت ملايين.____هذا هو المنطق الذي يُداوي به خسارته ضحيته الأحب إلى قلبه، لأنه المنطق الوحيد الذي يُحولها إلى شيء أكبر من الحياة نفسها، و الذي يُطمئنه أنه لن يكون مثلها، لن يكون فردًا في مهب الريح____يتماهى الصفطاوي مع المنظومات الكبرى، حتى يصير هو منظومة في ذاته، سد عملاق لا يُمكن أن يدهسه قطار ويُحطمه. لم يعد الصفطاوي فردًا، إنما كيان نرجسي عملاق، يُضحى بالأفراد لأجله____هذا التعقيد يصنع نفسية شهاب الصفطاوي و يمنحه كذلك ملكاته العبقرية كمُحامي، و هي قُدرته على تصدير نفسه كفرد أقل بكثير من طموحاته، قدرته رغم كل هذا التشوه على تصدير ذاته كمُدافع عن الأفراد، الذين لا تراهم أي منظومة، تصدير ذاته كنصير للمظلومين، رغم أنه ترس في المنظومة التي تقتلهم.____يخلق الصفطاوي بتلك المهارة النرجسية صورته العامة، ويُجيد بها التنقل بخفة في أي سلسلة غذائية، إما علقة طفيلية تتسلل ببطء حتى تُحطم بيئة المضيف، مثلما تسلل إلى عالم زكي الذي وثق فيه، و ضحى به في النهاية، و إما وحش كاسر، يتسلل إلى عالم ضحية مثل أزهار ويمدها بالأمان، حتى يحولها مادة لتسيير أعماله و شروره.____رجل يُعالج صدمته القديمة التي فقد فيها فردًا، بأن يكون منظومة كاملة، و رغم قمعه لفردانيته، يحتفظ منها بالخطاب الذي يجعله يبدو أقرب إلى الجميع، رغم أنه جلادهم. ____لذلك لا يثور الصفطاوي ولا يغضب، ولا يظهر شرير كاريكاتوري. إنما يمتلك لزوجة ثعبانية، تبتسم في وجه أعداؤه، تضحك بخفة في ذروة كشفها للخديعة، و تحقق انتقامها بهدوء. لا يأخذ الصفطاوي شروره على محمل شخصي، لإنه لا يرى نفسه شخصًا، إنما جزء من قوانين داروينية للعالم، قوانين باردة هادئة، لا تُجامل أحد. ولكن ما يرد الصفطاوي لعقدته القديمة و لفردانيته هو زكي. لأنه الصورة السيلويت، أو الحكاية التي كان يُمكن أن يكون بطلها. ___لا تمثل الشخصيات مثل زكي أو عادل، مُجرد ضحايا لرجل نرجسي إنما تذكير قاسي وخفي لشهاب بما كان يجب أن يكونه، محامي أخلاقي يقف في وجه كل قطار أو منظومة لا ترى في ضخامتها الأفراد الذين تدهسهم. لذلك في تدميره لزكي هو يُدمر الشخصية المثالية التي كان عليه أن يعتنقها. لذلك لا يشتهي الصفطاوي قتل زكي، إنما أن يبيع زكي روحه له، أن يصير مثله.___لا يتحرك الصفطاوي بدوافع حُب قديم لضحية خسرها، إنما بكرب صدمة لخسارة ضحية يخشى أن يكون يومًا مثلها، أسير إطار صغير تم سحقه من أجل عدالة كبرى أو منظومة أكبر.____يُمكن لحكاية مثل عين سحرية أن تتحرك بكفاءة تامة بشرير عادي، ولكن ما يجعلها حكاية قوية هو أن الشرير مُندمج بتكوينه في نسيج الحكاية. يمنحها ثرائها، وظلامها كذلك. مع وجود ممثل قادر على حمل ذلك التعقيد و تصديره بخفة وحرفة. في دور يُغري بشدة للمبالغة في أداؤه.
