ايران انتصرت ..شرق أوسط يصنع من جديد

إيران انتصرت..وهذا شرق أوسط يُصنع من جديد..

كيف صنعت إيران صمودها التاريخي؟..ببساطة لأنها غيّرت اللعبة الأميركية بشكل عملاق..الهدف الأول للحرب كان إسقاط النظام الإيراني، وتقييد مدى البرنامج الصاروخي لحاجز 300 كم بدلًا من 2500كم، وتسليم إيران كامل مخزونها النووي..قد يبدو أن إيران خُدعت..استدرجتها أميركا لمفاوضات عُمان ثم قصفتها قبل التوصل لاتفاق..معذرة..كانت إيران تعلم بالغدر مسبقًا، وحدّدت بنك أهداف عالي الدقة في الكيان والأسطول الأميركي ودول الخليج، وبالتدريج غيّرت أهداف الحرب..

أصبح الانتصار الأميركي هو أمر واحد فقط..فتح مضيق هرمز..ورقة جغرافية أخرجتها إيران من قلب كتب التاريخ، ووظفّت مضيق عرضه عشرات الكيلومترات لخنق العالم بأكمله..لا إمكانية للخليج للتصدير، ولا أوروبا وشرق وجنوب شرق آسيا لمواصلة الإنتاج بشكل مستدام..شلل مطلق..وارتدّ الضغط على الولايات المتحدة..سيول من الهذيان الأميركي..لا نحتاج للمضيق..تعالوا وافتحوا المضيق لو كنتم تحتاجونه..وفي النهاية..القوة الإمبراطورية الأميركية عجزت عن فتحه بالقوة العسكرية، وكل حلفاء أميركا بلا استثناء خذلوها، لدرجة أن ترامب خرج ليعيّر ألمانيا بدور أميركا في إعادة إعمارها بعد الحرب العالمية الثانية، ويُهدد بالانسحاب من الناتو..

تحويل دفة المعركة للمضيق هو ما أنقذ إيران من الانهيار المطلق..إيران رسخّت معادلة جديدة..لا عبور دون موافقة الحرس، ولا إمكانية للبوارج الأميركية وحاملات الطائرات للتواجد في مياه ضحلة..ولتنفيذ الإغلاق لا تحتاج الجمهورية الإسلامية لقوة بحرية عملاقة، فقط رجال بقاذفات RBG لمنع خُمس البترول العالمي..وليس هذا فقط..بل الكفاءة المطلقة في توظيف القوة الصاروخية..لم يكن لأكثر المتفائلين أن يتوقّع استمرار إيران لأربعين يومًا في قصف الكيان بكامل جغرافيته، ولا إخراج محطات هائلة للغاز في الدوحة وأبو ظبي من الخدمة، في راس لافان وحبشان تحديدًا، ولا إسقاط ثلاث مقاتلات أميركية مع تدمير طائرات في مرابضها الخليجية..مُدن الصواريخ في جبال زاجروس هي إنجاز إيران التقني الأكثر نجاعة بلا جدال..مدن في أعماق لا تستطيع حتى قاذفات B-2 الوصول إليها، وألوف فوهات الإطلاق التي عجزت الردارات الأكثر تطورًا في العالم عن كشفها..والنتيجة مدهشة..

لم تنهزم إيران، لم يسقط النظام رغم الضربات الهائلة لقياداته من الصف الأولى عسكريًا وسياسيًا..أثبتت إيران عمق وتجذر الفكرة الإسلامية في عقول وقلوب عشرات الملايين، فلم يقع خلال العدوان الأفدح على إيران في تاريخها، محاولات انشقاق من المسئولين في الخارج، ولا محاولات تمرد داخلي، وفشلت الخطة الأميركية في اليوم الثاني في استخدام ورقة الانفصاليين الأكراد..نجاح مزدوج..البيئة الداخلية محصنّة والقوة الصاروخية فرضت كلمتها..والمضيق مغلق، والعالم كله يدفع أثمانًا قاسية..ولم يتوقّف النجاح الإيراني هنا..بل التحالفات التاريخية مع الضاحية..ضغط ثنائي مكثّف ومتزامن، من قوة الحزب التي اعتقد العالم نهايتها، ليتفاجأ ترامب ورئيس وزراء الكيان، أنه وخلال الهدنة التي وقّع عليها الحزب، أعاد الحرس الثوري هيكلة الحزب بكامل قوته العسكرية، ليستدرج العدو لحرب عصابات مفتوحة، قضى خلالها على عشرات من جنوده ومئات من آلياته العسكرية..ولولا الإسناد الهائل بل والاشتباك المكافيء للحزب، لما كان الصمود الإيراني وحده كافيًا..

إيران كانت الطرف الأكثر استعدادًا للحرب..هذه ليست قرارات ارتجالية..بل سنوات طويلة من العمل المضني لبناء قوة صاروخية قادرة على الوصول لأدق أعماق الكيان، ثم لتحديد بنك أهداف واسع النطاق في الخليج، ثم بناء منظومة معقدة من المسيرات رخيصة الثمن، لتجاوز منظومات الدفاع الأميركية من الثاد والباتريوت..ثم مرونة في استيعاب خسائر لبنان 2024 وتكتيك فائق لتجاوز تصفية القيادة التاريخية للحزب خلال خمسة عشر شهر فقط..وعندما حان وقت الحرب..نُقل مركز الصراع من طهران لهرمز ومن قم لقشم، ومن بوشهر لخارك..بقى النظام وأصبح انتصار ترامب المركزي هو إعادة فتح المضيق..ولم يكن ممكنًا تخيّل حدوث ذلك قبل شهر وأسبوع..ومن كان يقول لحظة بصمود إيران لدرجة أنها تخوض مفاوضات ند لند مع أميركا، لكان يُوصف فورًا بالجنون المطلق، لأنه جرؤ على تحدي أصنام من عجوة عربية وإن صبغت شعرها بالأصفر وارتدى وجهها وشاحًا برتقاليًا..وكان اسمها ترامب..

لم يسقط النظام الإيراني..وللحظة الأخيرة..للحظة صفر..كانت إيران تُقارع الشر الأميركي وتقصف الموجة الثالثة والتسعين من الصواريخ..ولو كان ترامب يقدر على استخدام القوة العسكرية لأقصاها لما تردّد، لكنه، يقينًا، يعلم، أن الرد الإيراني سيكون مدمرًا على الخليج بالتحديد..طاقة بطاقة، محطة مياه بمحطة تحلية..وإن كان الظلام قدر إيران، فلتظلم المنطقة بأكملها..قوة الردع الإيرانية على تحويل الإفناء لمصير عام للمنطقة الأغنى بالنفط في العالم، شكل الحائل الوحيد أمام محو إيران..كانت هذه الحرب مُصمّمة أصلًا لعالم لا توجد فيه إيران..لا يوجد فيه خامنئي ولاريجاني ولا فكرة الجمهورية والثورة..والنتيجة..إيران تفاوض أميركا..وإيران الجمهورية المبنية منذ نصف قرن، تجلس مع ترامب..الذي للمصادفة المضحكة، يقول نصًا أنه يتفاوض نيابة عن دول عربية..

ما الذي سوف يبقى من تلك الحرب؟..أنها المرة الأولى في التاريخ التي تشترك فيها الولايات المتحدة والكيان في عمل عسكري واحد..أن الكيان لأول مرة في تاريخه يعجز عن التفوق بمفرده على دولة في المنطقة..وأن كلاهما فشل في إسقاط إيران..ما الذي سوف يبقى خالدًا في ذهن الشعوب؟..أن التصدي للإمبريالية لم يعد مجرد حلم..بل كل ما تحتاجه بوصلة عقائدية منضبطة، وجماهير مخلصة، وقاعدة علمية متطورة، وبنية صناعية فائقة..لن تكون بحجم التطور التكنولوجي الأميركي ولا بمقدار واحد إلى ألف..لكنها في النهاية تستطيع المقارعة..ما الذي لن ينساه العالم؟..أن القواعد الأميركية فخ، تصطاده مسيرات قيمتها للواحدة 20 ألف دولار..وأن المحتمي بالقوة الأميركية سوف يصبح طريدة سهلة المنال..فلا يعرف هل يحمي نفسه، أم يحمي الأميركي الذي استقدمه لحمايته؟..ما الذي سوف يبقى في العقلية الأميركية؟..أن العالم ليس جمهوريات موز كفنزويلا، وأن زمن تصفية القادة والغزو السريع والتسليم الذليل لم يعد له مكان..والأهم أن الإمبراطورية تشيخ وعليها الاستعداد لتسليم مركز القيادة للضفة الأخرى من المحيط الهادى..للصين..

إيران سوف تلهم ألف ألف جيل من الدول الفقيرة..سلاحك مسيرة، وحصنك جغرافيا، وقدرتك على فرض إرادتك رهينة بعولمة الصراع..أن تُعاني..لكنك تجعل العالم من بعدك يدفع الثمن..وقتها..وقتها فقط..سوف يُمكنك الجلوس وجهًا لوجه مع الشيطان الأعظم..وتضع بصمتك على اتفاق..هازئًا بألف مليار دولار جمعوا لمحوك..فانقلبوا لعنة على منفقيهم..وبينما يختبئون خلف الأميركي ليحميهم من جديد، بعد أن يدفعوا الثمن..سوف تجلس أنت في حماية شعبك وصواريخك ومضيقك..ولم تكن تمتلك سواهم..أراده ترامب شرق أوسط بلا إيران..واليوم لا يجد غيرها في المنطقة ليجلس معه..رأسًا برأس..

هذا هو ما سوف يبقى..وهذا ما سوف يغير الشرق الأوسط..جنة مقبلة لعالم من التمرد..ستكون ركيزته الأولى قصة تبدأ ب..كان يا مكان..خرج صاحب العصا ليقسم لكم أنه سيغير الشرق الأوسط بأكمله، وصفتموه بالجنون بعد سجن لربع قرن، ومن قلب قبره الذي لا نعرف له موقعًا، تغيّر شكل العالم..المسيرات ليست فوق القطاع بل في قلب القواعد الأميركية في مدن الملح الخليجية، والأنقاض في قلب المستوطنات لا في الشجاعية، وحاملات الطائرات الأميركية تحترق وتنسحب..صدقت نبوءته..وكانت إيران…ولن يكون العالم بعد صمودها كما كان قبلها..سيتمنى العربان أن يعود..الزمن لا يفعل..والمظلوم لا ينسى..والثأر لا يبلى..وعد لكم..سترونه !

صحفي مصري وعضو نقابة الصحفيين ورئيس تحرير موقع وجريدة بتوقيت مصر الإخباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق

اسم

القائمة الرئيسية