فيلم برشامة هدية لكل كتاب وصناع الكوميديا ..أتمني الغش منها

فيلم برشامة هدية لكل كتاب وصناع الكوميديا.. اتمنى الغش منها.

بداية السبعينات قدم المسرح المصري واحدة من روائع المسرحيات العربية وهي مسرحية مدرسةالمشاغبين للكاتب الأستاذ على سالم ومن إخراج الأستاذ جلال الشرقاوي.. أثارت هذه المسرحية حفيظة المحافظين من دعاة الأخلاق والفن النظيف.. غير انها كانت تعبر عن واقع ملاحظ وخاصة بعد ما اصاب المجتمع المصري الخارج من هزيمة مرة تم تدليعها باسم النكسة. مسرحية مدرسة المشاغبين لا زالت صالحة للدهشة حتى الأن.. تأتي دهشتها في النص اولاً.. ثم في أبطالها من وجوه شابة لم تكون معروفة بالقدر المعهود حينها كما عرفت مدارس في الكوميديا مثل المدبوليزم لصاحيها العظيم عبد المنعم مدبولي والعظيم الآخر فؤاد المهندس.. تلك المدارس الكوميدية كانت تعمل على معالجة نصوص اجنبية احياناً.. وأحياناً أخرى تعمل على نصوص ممصرة ولكنها بطابع اجتماعي ساخر من البيئة المصرية ذاتها. بعدها بعشر سنوات تقريباً وعلى ذات الخط ظهرت مسرحية أخرى من تأليف أحد اساتذة الكتابة الكوميدية وهو الأستاذ “بهجت قمر” ومن إخراج أحد اساتذة الإخراج المسرحي الكوميدي الرائع والفنان والممثل القدير “سمير العصفوري” وهي مسرحية العيال كبرت.
المسرحيتان “مدرسة المشاغبين والعيال كبرت” ستظلان باقيتان في ذاكرة المسرح المصري والعربي ما حيينا وصالحتان لأثارة الدهشة والضحك من كل ابطالها الذين كانوا وقتها في بداية مشوارهم الفني أمثال “عادل إمام وسعيد صالح وأحمد زكي ويونس شلبي والقديرة “سهير البابلي وكريمة مختار” وكل من شارك في المسرحيتان على وجه الخصوص.
تتميز تلك الأعمال المشار اليها مسبقاً وغيرها من الأعمال الباقية في ذكرة الكوميديا المصرية والعربية انها أولاً كتبت باتقان لصالح الضحك اولا لا لصالح نجم بعينه.. ثم تأتي الميزة الأخرى وهي أنها لا تعتمد على نجم واحد.. فجميع النجوم ابطال فيها.. والكوميديا وزعت على كل المشاركين فيها بالتساوي.. ولا زلنا نتذكر بعض المشاهد من تلك المسرحيات ونستخدمها كميمز او في حوارتنا اليومية حتى لو مر على صناعتها أكثر من خمسين عاماً منذ صدرت.

من المدبوليزم..إلى الديابيزم.

الثنائيات الفنية في تاريخ الكوميديا المصرية تاريخ طويل وفي غاية الثراء الأبداعي بداية من نجيب الريحاني وبديع خيري مرورا بفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وبديع خيري مشتركين او كثنائيات منفصلة.. أو حتى محمد صبحي وثنائيته مع لينين الرملي… وكما ظهرت مدارس في الكوميديا مثل المدبوليزم وغيرها.. نحن الآن أمام مدرسة جديدة في الكوميديا اسمها الديابيزم “نسبة الى آل دياب” ” خالد دياب وشرين دياب”.
تلك الثنائية ظهرت بقوة في عمل مسلسل كوميدي ظهر باكتساح بجزئيه الأول والثاني بقلم الثنائي “شيرين وخالد” والذي أكد موهبة وعبقرية هذا الثنائي مغرداً خارج سرب الكتابة الكوميدية بانفراد مستعينين بافراد أخرين في الكتابة كما في فيلم برشامة ووجود السيناريست “أحمد الزغبي”.. ليأتي فيلم “برشامة” ليؤكد إختلاف تلك المدرسة الكوميدية في تناولها للكتابة والفكر والأخراج والاسناد لأبطال ونجوم مهمين لا لبطل مفرد كما يصر الآخرين على فشل النجم الواحد وزمنه.
الفيلم من عنوانه برشامة بالمفهوم الطبي كعلاج لكل من يعاني من مرض في كتابة الكوميديا أو إخراجها.. ثم برشامة أتمنى ان “يغش” منها صناع الكوميديا فهو غش “حلال” إذا كان بهذه الجودة والروعة في الكتابة والفكرة والاخراج.

صعوبتها.. في سهولتها.

لا زلت اذكر الجملة الأيقونية التي ذكرها الفنان الراحل “خالد صالح” في فيلم #ابن_القنصل “صعوبتها.. في سهولتها”.. وهي جملة تلخص ابداع هذا الفيلم الرائع “برشامة”.. فخلال عملي كاستاذ جامعة في لجان مراقبة الأمتحانات والكنترولات لم ارى احداً قد لامس هذه المنطقة بهذا القدر من الدراية بما يدور في لجان الأمتحانات.. سواء كانت في الجامعة.. أو في الثانوية العامة التي ارى يومياً أثناء مروري على المدراس التي تقام فيها امتحانات الثانوية تلك الترسانة من عربات الشرطة والتأمين واساليب الغش المبتكرة التي نلاحظها كل عام.. اساليب لو ان الشيطان رأها لتاب الى الله واعتزل الوسوسة واعتكف في اقرب مسجد او كنيسة معلناً تخليه عن كل المعاصي وطلب السجود مرة اخرى للانسان وخطيئته في المرة الأولى لتقدير وسوسة وافكار بني أدم.. ولن يكتفي فقط بالسجود لأدم وحسب.. بل سيقبل قدمه وقدم ذريته من بعده.
الفيلم كتب بطريقة السيمفونية التي تتوزع فيها الصولوهات بين النجوم.. فصحيح أن قائد الأوركسترا هو النجم هشام ماجد.. غير ان كل نجم بداية من هشام ماجد ومروراً بريهام عبد الغفور وباسم سمرة ومصطفى غريب و كمال ابو رية وعارفة عبد الرسول وميشيل ميلاد وفاتن سعيد والرائع حاتم صلاح ومحمد أبو داود.

بعيد عنك حياتي عذاب.. متبعدنيش عن الضحكة

في فيلم برشامة كل نجم من النجوم المشاركين فيه يشبه عازف الناي العظيم “سيد سالم” ومفاجأة خروجه الرائعة في عزف صولو بالناي اثناء غناء كوكب الشرق السيدة أم كلثوم أغنية “بعيد عنك” كلمات مأمون الشناوي ومن الحان العظيم “بليغ حمدي”.
فالثنائي “شيرين وخالد دياب” مع أحمد الزغبي يشبهان مأمون الشناوي في الكتابة حيث “نسيت الضحك واحلامه.. نسيت لياليه وايامه”.. ليأتي لحن الأخراج من خالد دياب كلحن بليغ حمدي في الموسيقى.. وصولوهات لهشام ماجد وريهام عبد الغفور وباسم سمرة وميشيل ميلاد وعارفة عبد الرسول ومصطفى غريب.. وصولو متفرد لحاتم صلاح على وتر الضحك.
الفيلم من اللحظة الأولى وحتى نهايته وقع اتفاقاً مبرماً مع المشاهد على الضحك من اجل الضحك.. ولكن هنا الضحك مكتوب بلغة توزيع الضحكة ومباصاتها تارة بطريقة “Man to Man” وأحياناً بطريقة ” Man To Woman” أو حتى ” woman to woman”.. وكثيراً تكون لعبة الضحك جماعية… فتارة نرى كرة الضحك بين “هشام ماجد وريهام” أو هشام ماجد و عارفة عبد الرسول وفاتن سعيد” وتارة بين “حاتم صلاح وبين واحدة من الأدوار النسائية.. ثم تتبادل اللعبة بينهم بحرفية عالية.. وأحيانا يكون هدف الكوميديا بلعبة من الجميع بما فيهم جامع الكور خارج الملعب او مجرد دور هامشي مر من امام الكاميرا ولكن في دوره صانع للضحكة مثل ابطالها.
فيلم برشامة واحد من الأفلام المهمة في كتابته وفي اخراجه وفي تمثيله وفي موسيقاه وفي مونتاجه وفي ملابسه وفي تمثيله وفي قدرته على المحافظة على ان يضحكك من اللحظة الأولى وحتى تتر نهاية الفيلم دون ان يصيبك الملل او يقع في الوعظ او حتى في الاستهانة بجمهور المشاهدين أو في فخ اكبر وهو ان يكتب لنجم واحد.. فجميع من شارك في هذا الفيلم بطل.. حتى لو ظهر صامتاً أو جماداً.. وجد لمهمة واحدة.. هي الضحك.
برشامة.. هو برشامة علاج للكوميديا.. وبرشامة كوميديا قابلة للغش منها.. وهو غش حلال لو كان بتركيبة نفس البرشامة التي رأيناها في هذا الفيلم الرائع.

صحفي مصري وعضو نقابة الصحفيين ورئيس تحرير موقع وجريدة بتوقيت مصر الإخباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق

اسم

القائمة الرئيسية