ذكري إصدار القرار التاريخي بتأسيس المخابرات العامة المصرية.. في ٢٢ مارس سنة ١٩٥٤.
ونفتكر قصة.. فيها الشاب دا.. نزل من بيته بعد خناقه وشجار مع والده و..
واختفى.
والموساد والمخابرات المصرية في آن واحد.. عبر عملائهم ورجالهم.. بينبشوا كل حجر في القاهرة بحثا عنه.
حنسميه “فؤاد” لأن دا اسم الشهرة اللي كان مشهور به في الفترة دي.. ودا اسم والده مش اسمه.
شاب مصري عادي، من حي الغورية، افتتن من صغره بالغورية وجمالها وآثارها.. وحب الأدب والفن والغناء بسبب والده.. اللي كان بيستضيف فوق سطح منزله في جلسة خاصة.. صالون ادبي صغير بشكل دوري.
كان مثقف وبيقرا كتير جدا.. وبقى راغب في الاطلاع على ثقافات كتير.. فقرر يتعلم لغات كتير.
بس الظروف بتتغير.. وبسبب الحرب وضربة ٦٧.. بيبيعوا البيت ويعزلوا من الغورية إلي شقة جديدة.. في شارع عبد العزيز.
وفي شارع عبد العزيز بيبدأ “فؤاد” يلتقي بوجوه جديدة من جنسيات مختلفة.
وحوه إيطالية ويونانية وإنجليزية.
كل دول كانوا جرسونات وبقالين وخياطين.. ومن ضمنهم جارته الشابة الإيطالية الحسناء “يولندا”.
وحب “فؤاد” جارته “يولندا”.. وهي كمان كانت خارجة من قصة حب فاشلة مع حبيب سابق.. فبادلته الحب.. وبقى يخرج معاها ويقابل اصدقائها.. اللي كانوا شباب ايطاليين وانجليز و…
ويهود.
وعشان عيون “يولندا”.. اتعلم الشاب دا اللغة الخامسة.. لغتها.. الإيطالي.
ومع اتقانه لخمس لغات تقريبا.. بيقدم لمنحة في الجامعة اللي هي بتسافر تدرس فيها. وبالفعل بيفوز ببعثة مجانية للدراسة بجامعة بيروجيا الإيطالية.. وبيسافر.. علشان يدرس معاها.
في بيروجيا، استقر به المقام عند ست عجوز اسمها سنيورا “كاجيني”.. مالكة بنسيون، ودي عاملته بحب واهتمام كأنه ابنها، وقضى عندها فترة منحته لأول ترم.. وبعدين رجع مصر.
وفي القاهرة جري فورا يروح يزور حبيبته “يولندا”.
لكنها كانت محضرة له مفاجأة سوداء.
كانت سايباله جواب أن كل اللي بينهم انتهى.. ودا لانها اتصالحت مع حبيبها القديم ورجعت له.. وسافروا عشان يتجوزوا ويقيموا في اوروبا.
لكن “فؤاد” مازعلش ولا انهار.. دفن جراحه في المذاكرة.. وكمل المنحة في جامعة بيروجيا، ورجع سافر لها في الصيف التالي، واقام برضه عند سنيورا “كاجيني”.
المهم مرة، فكان بيلعب بلياردو مع زمايله في الجامعة، وقابلهم شاب اجنبي ذكي، شكله ايطالي.. بس بيتكلم عربي زيي وزيك.
كان عنده معرفة بالسحر.. السحر اللي هو الهجص بتاع المسارح والخدع وخفة اليد.. وقعد عمل للشباب حركات بالكوتشينة والعملة والقصص دي. وحبوه وبقى صديقهم.
وكان هو عينه على “فؤاد” بالذات.. وبدأ يقرب منه اكتر.. وقال له انه تاجر وبيشتغل جنب الدراسة.. ودا بيجيب له فلوس كتير.
ومع الفلوس الكتير جت البنات الفاتنة والسهرات والخمور.. وأبهر الشاب اللي بينفق بدون حساب “فؤاد” اكثر واكثر.
لكن في شيء ما كان غامض.
شيء ماريحش “فؤاد” تماما من ناحية الشاب دا.
وفي يوم في سهرة.. بينصرف الجميع.. وبيفضل “فؤاد” والشاب الغامض.. وبيبدأ الشاب يكلمه عن اليهود والغرب وإسرائيل.
ودا بيثير شكوك “فؤاد”.. وبيقرر يخدعه عشان يعرف اكتر.
وبسبب غزارة ثقافته وقراءاته.. بيحكي له “فؤاد” قصة اخترعها حالا.. ان جده كان يهودي.. لكنه استقر في القاهرة وأسلم واتجوز جدته. بس فضل طول الوقت مربي اولاده واحفاده على القيم اليهودية.. وانهم مسلمين ومصريين في البطاقة بس…
لكن من جواهم.. هم يهود اسرائيليين.
وهنا بيصارحه الشاب في سعادة.. انه هو كمان يهودي إسرائيلي..
وقدمه الشاب لصديق تالت.. اسمه “جوناثان شميت”.. وسابهم مع بعض يتعرفوا.. ودي كانت آخر مرة يشوف “فؤاد” فيها صديقه التاجر الثري دا.
و”جوناثان” بيصارح “فؤاد” بقصة ملفقة بدوره.
“جوناثان” بيعلن له انه تابع لمنظمة اسمها “البحر الأبيض المتوسط”، لمحاربة الاستعمار، وعايزينه معاهم.. مقابل راتب شهري ثابت.
وفي كمان مكافآت كبيرة، على حسب مجهوده في كل مهمة ينجح فيها.
ووافق “فؤاد” علي الفور.. لكن ما أن بدأت تدريباته علي الحبر السري، والتمييز بين الرتب العسكرية، ورسم الكباري والمواقع العسكرية، وتحديد سمك الخرسانة.. حتى فهم “فؤاد” الحقيقة.
انه بيتحول لجاسوس.
واصيب “فؤاد” بالهلع.. وادرك انه ورط نفسه في أمر بالغ الخطورة.
وطلب “جوناثان” من “فؤاد” التطوع في الجيش، أول ما يرجع مصر.
واداله فلوس كتير وفلاير لتياترو ايطالي شهير.. فيه الصورة دي.
صورته هو.. وكأنه بيغني في التياترو دا في روما.. عشان يقدر يبرر لاهله هو جاب الفلوس منين لما يسألوه.
وبيتفاجيء “فؤاد” بأخوه “سامي” جاي من مصر.. ابوه بعته يزوره ويطمن عليه.. ويقعد معاه كام يوم.
وكان “فؤاد” متوتر جدا وعصبي.. ولما سأله اخوه وأصر انه يحكي له.. حكى له الموضوع كله.
وأصيب “سامي” بالهلع بدوره.. وطلب منه “فؤاد” يحافظ على الموضوع سر.
ووافق “سامي” يحفظ السر.. لكن طلب من اخوه اول ما ينزل مصر.. يبلغ السلطات فورا.
وبينزل “سامي” مصر وزي ما اتفق مع اخوه.. بيحكي لوالدهم.
وعلى الفور بيوصل والدهم للمخابرات العامة.. ويدبر له لقاء معاهم بمجرد وصوله.
وبالفعل.. بينزل من الطائرة في القاهرة.. ويتوجه مع والده مباشرة لمقر المخابرات العامة المصرية.
لكن هناك مبيرضاش يحكي لهم اي تفاصيل.. الا لو قابل شخص معين سماه بعينه.. وطلبه بالاسم.
حاولوا معاه كتير.. وحاول معاه رئيس الجهاز بنفسه.. لكن بلا جدوى.
وبيتفقوا على موعد بعد ايام.. وبتنطلق عربية من المخابرات بتحمله هو و”صلاح نصر”، رئيس جهاز المخابرات العامة في الوقت دا.. وبتوصل لاستراحة خاصة.. وبينتظر “فؤاد” على مقعد مريح في غرفة جانبية.
وبعدها بيطلب منه “صلاح نصر” يتفضل.. ويدخل عشان يقابل الراجل اللي طلب يشوفه ويحكي له لوحده.
الرئيس “جمال عبد الناصر”.
ظل الرئيس “جمال” يستمع لقصة “فؤاد” لأكثر من ٣٠ دقيقة.. ووراه “فؤاد” حقيبة الحبر السري والفلوس اللي سلمهم له “جوناثان”.
وبعدين الرئيس “جمال” ابتسم له وقال له ان دوره مانتهاش.. وانه حيكمل معاهم من اللحظة دي.. تحت اشرافه شخصيا.
وبيرجع “فؤاد” مع “صلاح نصر”.
وبيشتغل مع المخابرات العامة المصرية.. رسميا.
وبياكدوا عليه على الكتمان التام حتى عن والده.. واتفقوا انه يفهمه انهم خدوا المعلومات منه واتضح انها شكوك ساذجة وأفورة ومبالغة من الشاب.. وانتهت القصة.
وبدأ رجال المخابرات المصرية في تدريب “فؤاد” على اعمال الجاسوسية.. وكيفية التلاعب بخبراء الموساد.
وبينجح “فؤاد”.. وبيخلوه يكتب للضابط “جوناثان” معلومات حقيقية.. ويرسل معلومات سرية عن مواقع عسكرية ومراكز قيادية، ومعلومات عن برج القاهرة.. اللي كان محطة رادارية هامة وقتها.
كل دا من غير مبالغة ممكن تثير شكوك العدو.
وفي مرة بيجهز “جوناثان” فخ للشاب “فؤاد”.. وبيطلب منه تجنيد راجل قريبه بيشتغل في القوات المسلحة.. من العسكريين.
والراجل دا كان رجل ناضج كبير وذكي.. ومش منطقي ان يجنده عيل صغير لسه بيحبو في عالم المخابرات.
ولكن المخابرات المصرية خلته يعتذر.. ويوضح الاسباب لرجل الموساد “جوناثان”.. اللي بسبب رده دا.. وثق فيه اكثر واكثر…
وفي يوم بيسهر “فؤاد” مع ضابط الحالة المصري بتاعه في منزل آمن.. وبيجهزوا معلومات جديدة للموساد.
واثناء ما الشاب بيكتب ورا الضابط.. غلط في بعض الرموز العسكرية الهندسية.. فصلحها له ضابط المخابرات المصري تلقائيا.. وطلب منه يرجع البيت وينقل دا كله بالحبر السري ويرسله للموساد.
وبيروح “فؤاد” يبعت الجواب.. لكن بيقابله والده على الباب.. وبيثور عليه ويتهمه انه بقى صايع وبيتأخر برا.
وبيطرده من البيت.
وبيسكت الشاب ويمشي حزين.. لأنه مش قادر يحكي لابوه الحقيقة.
وفي الوقت نفسه كان ضابط المخابرات المصري بيتذكر ان “فؤاد” طبيعي يغلط في بعض الرموز العسكرية الهندسية.. لانه “جوناثان” معلمهالوش.. ولما يبعتها بالدقة دي.. حينكشف امره.
عندنا تذكر.. اصابه الهلع.. وانطلق يبحث عن الشاب.. قبل ما يبعت المعلومات للموساد ويتلقفها “جوناثان”.
ولكن بلا جدوى.
هو مش بايت في بيته.. ومش عارفين راح فين
في الآن نفسه كان “جوناثان” مستني المعلومات.. فلما مجتش.. اصابه القلق، وبعت افراد من شبكته في القاهرة.. للبحث عن الشاب والتحري لو سقط واتقبض عليه.
وهنا.. رجعنا لأول سطر في قصتنا.
الشاب اللي في الصورة دا.. مختفي.. وبيدور عليه في القاهرة رجال الموساد.. ورجال المخابرات المصرية.. في آن واحد.
والاتنين ما بيلاقوهوش.
كان راح لواحد صاحبه في إمبابة يبات عنده.. وبمجرد ما يوصل بتصيبه حمى عنيفة.. وتبدا اعراض دور انفلونزا حاد.. فبيرقد في السرير عند صاحبه في شبه غيبوبة.
لمدة أسبوع.
وأخيرا.. بيعتر فيه ضابط المخابرات المصري.. وبيصلحوا الجواب.. ويبعتوه للموساد.
فكر هنا في ترتيب القدر.. لو مكانش والده طرده.. كان زمانه بعت الجواب للموساد.. واتكشف.. وعرفوا انه عميل مزدوج.
وطوال الوقت كان “فؤاد” بيشتكي في خطاباته للموساد و”جوناثان” انه مزنوق ومحتاج فلوس.. وكان بيبعت لهم معلومات ممتازة.. خلتهم يوافقوا…
وطلبوا منه استئجار صندوق بريد، وأخبروه أنهم حيدبروا أمر تزويده بالاموال المطلوبة.
كان زمان في مصر ممكن تأجر صندوق بريد في مكتب بريد معين.. مفتاحه يبقى معاك بس.. وله فتحة خطابات.. زي صناديق الامانات في محطات القطار برا مصر.. اروح احطلك انا ظرف من الفتحة . وانت تروح بعدين تفتح بالمفتاح وتاخد الخطاب.
ووصل ثلاثة الآف دولار إلي صندوق البريد، داخل مجموعة اظرف.. وصلت كلها من داخل مصر.
ودا يعني ان في شبكة كبيرة من عملاء الموساد.. في قلب القاهرة.
وبدأت المخابرات المصرية خطة للإيقاع بالشبكة كلها
ولكن الموساد فجأة استدعوا “فؤاد”، وطلبوا منه السفر بسرعة الي روما.
وهناك استجوبوه في عنف وشراسة، لكنه صمد.. وزادت ثقتهم فيه، وطلبوا منه يرجع مصر بأوامر وتعليمات وطلبات جديدة.
واجر الشاب شقة في شارع قصر العيني، وبعت يطالب “جوناثان” بفلوس زيادة للايجار والمعيشة والفرش.
وبيثق فيه الموساد ويبعتوا له الفلوس.. ورقم صندوق بريد في الإسكندرية، يحط فيه اي ميكروفيلم اسرار عسكرية يصوره.
ودا يعني ان الشبكة الإسرائيلية ممتدة للاسكندرية!
والحقيقة هو انهم كانوا على حق.. الشبكة دي كانت اضخم شبكة تجسس في التاريخ من بعد الحرب العالمية الاولى عامة.. وفي تاريخ التجسس الإسرائيلي على مصر.
ومعظمها من الأجانب المقيمين في مصر، من مختلف المهن، وكلهم من جنسيات مختلفة..
مصمم ديكور ايطالي.. وباحث تاريخ يوناني، مع موظف فندق إنجليزي، معاهم دبلوماسي ألماني، وجرسون.. ومدرس.. وعازف بيانو.. وممرضة..
وأدركت المخابرات المصرية أنها أمام صيد هائل ثمين، يستحق كل الجهد اللي بيحطوه مع الشاب في العملية دي.
وبطريقة لم يعلن عنها.. نجحوا في انهم يخلوا الشاب يقنع المخابرات الإسرائيلية بإرسال واحد من أخطر ضباطها.. عشان يقابله في القاهرة.
“موشى جود سوارد”، واللي وصل متنكر بجواز سفر مختلف مزور باتقان شديد.
ولكن المخابرات المصرية كانت وراه.. وبتعد عليه أنفاسه بالمرصاد.. من غير ما يحس.
وبيتصل “موشى” برجلين من الشبكة.. “رايموند بترو”، الموظف بأحد الفنادق، و”هيلموت باوخ”، الدبلوماسي بالسفارة الالمانية، واللي بيهرب وثائق من وإلى مصر.. مستخدما الحقائب الدبلوماسية.. الممنوع اعتراضها أو تفتيشها.
وبلا سابق إنذار، ألقت المخابرات المصرية القبض علي “موشى”، وتحفظت عليه، من غير ما ينتشر الخبر ولا حد يعرف أو يحس.
وبيسيطروا عليه.. ويخلوه يتواصل مع الموساد بشكل طبيعي.. لحد ما تتكشف الشبكة كلها.
وبالفعل بيتواصل “موشى” مع الموساد، تحت إشراف المخابرات المصرية…
ومابيشكش الموساد في أي شيء
وبتحصل المخابرات المصرية على بيانات كل اعضاء الشبكة.. وبينطلق رجالها في آن واحد.. ويقبضوا عليهم.
وبتقرر المخابرات المصرية تمارس الههه وحرق الدم كعادتها مع الموساد.. وبتبعت لهم تشكرهم على تعاونهم والمعلومات اللي حصلوا عليها مع القبض على اعضاء شبكتهم.
والحقيقة ان الموساد اصابته صدمة عنيفة.. خاصة مع الاعلان عن العملية رسميا.. واللي حول الفضيحة الإسرائيلية.. لفضيحة عالمية.. تناقلتها الصحف ووكالات الانباء.
وفي الوقت دا كان الشاب “فؤاد” بيحصل على مكافأته.. اللي طلبها من المخابرات المصرية.
انه يتعشى ويحتفل مع الرئيس جمال عبد الناصر.
وزي ما قلنا في البداية.. اسمه مش “فؤاد”.. هو اسم والده.
اسمه “سمير”.. وانت تعرفه.
بيقولوا العيون لا تشيخ أبدا.. دقق في عينيه.
ايوه هو “سمير فؤاد”.. كمل في الغناء وبقى فنان شهير.
الفنان رحمة الله عليه، اللي نعرفه كلنا باسمه الشائع الشهير.
“سمير الاسكندراني”.



