عبير العبد ..سيرة صحفية صنعتها المهنةوكرسها الحضور

عبير العبد.. سيرة صحفية صنعتها المهنة وكرّسها الحضور

في المشهد الصحفي العربي تبرز أسماء لا تكتفي بممارسة المهنة، بل تتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرتها الحية، ومن هذه الأسماء تبرز الكاتبة والصحفية المصرية عبير إبراهيم العبد، الشهيرة بـ«عبير العبد»، بوصفها تجربة مهنية ممتدة، جمعت بين التحقيق الصحفي، والحوار السياسي والفني، وكتابة المقال، والعمل القيادي داخل مؤسسات صحفية وإعلامية متعددة، حتى غدت نموذجًا لصحفية صنعت مكانتها بالاجتهاد والخبرة والتراكم الحقيقي في الميدان.
وهي عضو نقابة الصحفيين، وتمتد خبرتها في الصحافة والإعلام إلى ما يقارب سبعة وثلاثين عامًا، كما تعمل حاليًا محققة ومحاورة في موقع البوابة نيوز الإخباري، إلى جانب عملها كاتبة مقال في موقع ويك إند، بما يؤكد استمرار حضورها المهني وفاعليتها في المشهد الإعلامي حتى اليوم. 

تبدأ ملامح هذه السيرة من تكوين علمي ومهني متين، إذ حصلت عبير العبد على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 2000، وعززت هذا التكوين بدورات متخصصة في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في مجالات الاستراتيجية والأمن القومي، والتفاوض وإدارة الأزمات، وصناعة القرار، وأساليب التفكير، والتطور التكنولوجي، وهو ما أضفى على معالجاتها الصحفية عمقًا يتجاوز التناول التقليدي إلى قراءة أكثر وعيًا وتشابكًا مع ملفات الدولة والمجتمع. ومنذ بداياتها المبكرة في أخبار اليوم بين عامي 1988 و1990، نهلت من مدرسة صحفية رفيعة المستوى، حيث تتلمذت على أيدي قامات كبرى مثل مصطفى أمين وأنيس منصور وأحمد رجب وغيرهم، قبل أن تنتقل إلى جريدة الوفد بين 1990 و1993، فتجمع هناك بين التدريب السياسي والاحتكاك المباشر بشخصيات حزبية وصحفية بارزة، ثم إلى آخر ساعة بين 1993 و1996، لتواصل ترسيخ خبرتها في واحدة من أهم المدارس الصحفية المصرية. 

وفي مسيرتها الممتدة، تنقلت عبير العبد بين منابر كبرى داخل مصر وخارجها، فعملت في الأنباء الكويتية نائبًا لمدير مكتب القاهرة بين 1993 و2000، ثم مديرة لمكتب الرياض بين 2000 و2007، كما خاضت تجربة متميزة في الأهرام خلال الفترة من 2000 إلى 2006، حيث تدربت على أيدي أسماء وازنة في تاريخ الصحافة المصرية والعربية، من بينهم محمد حسنين هيكل وإبراهيم نافع وعمرو عبد السميع وآخرون. وامتد نشاطها كذلك إلى قناة الإخبارية السعودية من خلال تأسيس القسم النسائي، وهو ما يكشف عن قدرتها على الجمع بين العمل التحريري والبناء المؤسسي. ثم واصلت حضورها في جريدة الثورة نائبًا لرئيس التحرير خلال 2012 و2013، وفي جريدة صوت الأمة رئيسًا لقسم التحقيقات من 2013 إلى 2015، فضلًا عن الكتابة والعمل الصحفي في مؤسسات عدة مثل الدستور المصرية، والأهالي، والنهار الكويتية، وفيتو، والسياسي المصري، وهو تنوع يعكس مرونتها المهنية وقدرتها على التأثير في بيئات إعلامية مختلفة. 

ولعل أبرز ما يمنح هذه السيرة تميزها الحقيقي هو الثقل المهني الذي راكمته عبير العبد في ميدان التحقيقات والحوارات. فقد انشغلت بملفات شائكة ترتبط بالأمن والمجتمع والتحولات الإقليمية، وقدمت تحقيقات في مكافحة الإرهاب امتدت من عام 2004 حتى 2023، كما تناولت قضايا بالغة الحساسية مثل الابتزاز الإلكتروني، ومخدر الاستروكس، وكوارث ألعاب الإنترنت، وارتفاع معدلات الجريمة، وأزمات الأسعار والسجائر، وأساليب تربية الأطفال، إلى جانب تناولها لملفات ذات بعد إقليمي ودولي، مثل انتهاكات إسرائيل في غزة، والحروب السردية، وملجأ الطوارئ في إسرائيل، وخسائر إسرائيل في طوفان الأقصى، وقرارات أممية لم تُنفذ. هذا الاتساع الموضوعي لا يكشف فقط عن تنوع اهتمامها، بل عن صحفية تذهب دائمًا إلى مناطق الاشتباك الحي مع أسئلة الناس والدولة والمرحلة. 

وفي باب الحوارات، تبدو تجربة عبير العبد أشبه بأرشيف كامل لزمن عربي ومصري شديد الثراء، فقد أجرت حوارًا مع الأديب العالمي نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل، وهو الحوار الذي تُرجم إلى ست لغات وأُعيد نشره في صحف مصرية وعربية ودولية، كما حاورت شخصيات سياسية بارزة مثل الدكتور يحيى الجمل، وفؤاد باشا سراج الدين، وعلي الدين هلال، وسامح سيف اليزل، والدكتور عبد الرحيم علي، ومصطفى بكري، ومحمد أبو الغار، ومنى ذو الفقار، وكمال أبو عيطة، إلى جانب شخصيات سعودية رفيعة مثل الأمير نايف بن عبد العزيز، والأمير خالد الفيصل، ووزير الصحة السعودي الدكتور حمد المانع، وعدد من الأمراء والمسؤولين. كما امتدت حواراتها إلى المجال الفني، حيث أجرت لقاءات مع نجوم كبار من عالم السينما والطرب، من بينهم أحمد زكي، وعادل إمام، ويسرا، ونور الشريف، ويحيى الفخراني، ووردة، وسيد مكاوي، وهاني شاكر، وسميرة سعيد، وعلي الحجار، وغيرهم كثير، بما يجعل من تجربتها سجلًا حيًا لتقاطعات السياسة والثقافة والفن في الصحافة العربية الحديثة. 

هذه الرحلة المهنية لم تمر من دون تقدير مستحق، فقد نالت عبير العبد عددًا من التكريمات المهمة، من بينها تكريمات من الحرس الوطني السعودي في مهرجان الجنادرية عامي 2004 و2005، وتكريم من مكتب الأمم المتحدة في الرياض، وآخر من جمعية الأطفال المعوقين بالرياض، وتكريم من أكاديمية فيصل العالمية، ومن المجلس الأعلى للصحافة، فضلًا عن تكريم من Google للتفوق في التغطية الصحفية والإعلامية عام 2012، وتكريم من مؤسسة البوابة نيوز عام 2017. وهذه الجوائز ليست مجرد شهادات تقدير، بل شواهد على مهنية استطاعت أن تفرض نفسها في أكثر من ساحة، وأن تترك أثرًا واضحًا في العمل الصحفي العربي عبر عقود متصلة من الجهد والعطاء. 

إن الحديث عن عبير العبد ليس حديثًا عن سيرة ذاتية مكتوبة على الورق، بل عن مدرسة مهنية حقيقية تشكلت بالصبر والاحتكاك المباشر بالميدان، واستندت إلى عقل واعٍ وخبرة ممتدة وشجاعة في الاقتراب من القضايا الصعبة. إنها واحدة من الأصوات الصحفية التي لم تنعزل عن نبض الشارع، ولم تتخلَّ عن رهبة الكلمة ومسؤوليتها، فبقيت وفية لجوهر الصحافة بوصفها رسالة معرفة وموقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون مجرد وظيفة. ومن هنا تستحق هذه السيرة أن تُقرأ باعتبارها شهادة على جيل من الصحفيين الذين صنعوا حضورهم بالعمل الجاد، وتركوا خلفهم أثرًا يليق بالمهنة وبتاريخها.

د.حماد الرمحي

صحفي مصري وعضو نقابة الصحفيين ورئيس تحرير موقع وجريدة بتوقيت مصر الإخباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق

اسم

القائمة الرئيسية