رجل الأسرار في القصر الجمهوري وكيف تحول إلى أحد أركان الفساد في عصر مبارك؟
في قلب السلطة، لم يكن كل من يجلس على الكرسي هو صاحب القرار الحقيقي، فهناك دائمًا رجال يعملون في الظل، لا تظهر أسماؤهم كثيرًا في العلن، لكنهم حاضرون في كل تفصيلة، يتحكمون في مسارات الأمور، ويملكون من النفوذ ما يجعلهم أقرب إلى مركز الحكم من أي منصب رسمي. ومن بين هؤلاء، برز اسم زكريا عزمي، الرجل الذي لم يكن مجرد مسؤول حكومي عابر، بل كان أحد أكثر الشخصيات إحاطة بأسرار القصر الجمهوري، حتى أصبح مع الوقت بمثابة العقل المدبر داخل دوائر السلطة، والذراع اليمنى للرئيس، يدير الملفات الحساسة، ويتحكم في مفاصل القرار، ويجمع بين النفوذ والسلطة والثروة في آنٍ واحد.
وُلد زكريا عزمي في 26 يونيو 1938، وبدأ مسيرته بشكل تقليدي حين التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1960، قبل أن ينضم إلى الحرس الجمهوري عام 1965، وهي الخطوة التي قربته مبكرًا من دوائر الحكم. ولم يكتفِ بالمسار العسكري، بل اتجه أيضًا إلى الدراسة القانونية، فحصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ثم واصل تعليمه حتى نال درجة الدكتوراه في القانون الدولي، وهو ما منحه مزيجًا نادرًا بين الصرامة العسكرية والمعرفة القانونية، مزيج لم يكن مجرد تفصيل في سيرته، بل كان أحد أهم مفاتيح صعوده داخل النظام.
في عام 1973، بدأت رحلته الحقيقية داخل القصر الجمهوري، حين تم تعيينه رئيسًا للشؤون السياسية بمكتب رئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي، ثم انتقل إلى سكرتارية المعلومات، وهي واحدة من أخطر المواقع داخل بنية الحكم، حيث تُجمع المعلومات وتُصاغ التقديرات التي تُبنى عليها القرارات. ومن هذه النقطة تحديدًا، بدأ اسمه يقترب أكثر فأكثر من قلب السلطة، ومع مرور الوقت، لم يعد مجرد موظف داخل مؤسسة الرئاسة، بل أصبح رقمًا صعبًا في معادلة الحكم، لا يمكن تجاوزه أو تجاهله.
تدرج زكريا عزمي في المناصب، فحصل على عضوية مجلس الشعب، ثم لعب أدوارًا بارزة داخل الحزب الوطني الديمقراطي، إلى أن وصل إلى منصب رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، وهو الموقع الذي جعله فعليًا الرجل الأقرب إلى الرئيس، والأكثر اطلاعًا على خفايا النظام، حتى بات يُنظر إليه باعتباره الرجل الأول بعد مبارك داخل القصر، والمسؤول عن إدارة كثير من التفاصيل التي لا تظهر للعلن.
لكن هذا النفوذ لم يظل في إطاره الوظيفي، فمع اتساع دائرة السلطة، بدأت تتكشف ملامح استغلال هذا النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية ضخمة، حيث لم يعد المنصب مجرد أداة لخدمة الدولة، بل تحول تدريجيًا إلى وسيلة لجمع الثروة. فقد تورط زكريا عزمي في قضايا فساد متعددة، كان أبرزها قضية الكسب غير المشروع، حيث كشفت التحقيقات عن تضخم ثروته بشكل لا يتناسب مع دخله الرسمي، وقدرت الأموال غير المشروعة التي حصل عليها بنحو 42 مليون جنيه، شملت عقارات فاخرة وأرصدة بنكية ضخمة، وهو ما أشار بوضوح إلى وجود نمط ممنهج من استغلال السلطة لتحقيق مكاسب خاصة.
ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، بل امتدت إلى الاستيلاء على أراضي الدولة، حيث تورط في الحصول على أراضٍ بمحافظة الإسماعيلية بالتعاون مع عبد المنعم عمارة، في واقعة عكست كيف يمكن للنفوذ أن يتحول إلى وسيلة للاستحواذ على ممتلكات الدولة نفسها. كما شملت قضايا الفساد التلاعب بأموال الصحف القومية، إذ حصل على هدايا تقدر بملايين الجنيهات من رؤساء مجالس إدارات هذه الصحف، في نموذج واضح لعلاقة المصالح المتبادلة بين السلطة والإعلام، حيث تتحول الامتيازات إلى أداة لضمان الولاء.
وفي محاولة لإخفاء هذه الثروات، لجأ إلى أساليب ملتوية، من بينها تسجيل شقة فاخرة في أبراج سان ستيفانو بالإسكندرية باسم شقيق زوجته، في خطوة هدفت إلى إبعاد الشبهات عن ممتلكاته الحقيقية، وهو ما يعكس إدراكًا كاملًا لطبيعة ما يقوم به، ومحاولة منظمة لإخفاء آثاره.
ومع اندلاع ثورة يناير وسقوط نظام مبارك في 11 فبراير 2011، تغير المشهد بالكامل، ولم يعد النفوذ كافيًا للحماية. فقد تم تقديم زكريا عزمي للمحاكمة بتهمة الكسب غير المشروع، وصدر ضده حكم بالسجن لمدة 7 سنوات، مع تغريمه 36 مليون جنيه، كما أوصت النيابة العامة برد 68 مليون جنيه تمثل قيمة ما حصل عليه بطرق غير قانونية. ورغم ذلك، لم يقضِ المدة كاملة داخل السجن، إذ حصل على إعادة محاكمة انتهت بتخفيف العقوبة، ليخرج بعدها ويختفي عن الأنظار، بينما بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة واحدة من أكثر فترات الفساد إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث.
ولم يكن ما جرى مجرد قصة شخص واحد، بل كان انعكاسًا لمنظومة كاملة، حيث لم يقتصر أثر هذا الفساد على أرقام أو قضايا، بل امتد ليؤثر بشكل مباشر على حياة المصريين، فبينما كانت الثروات تتراكم في يد قلة قليلة، كانت الطبقة المتوسطة تتآكل، ومعدلات الفقر في تزايد، ومؤسسات الدولة تُدار بعقلية المصالح، حتى أصبح التلاعب بها هو القاعدة، لا الاستثناء




