ثلاث دول في المنطقة تستحق الإشادة في حرب إيران..
مصر..تصرفّت عكس المتوقّع منها بالكامل..الخليج كان يعتقد أن السياسة الخارجية المصرية مُباعة بالكامل نظير القروض والمنح والودائع..في وقت الجدّ اتضح أن مصر سوف تتصرّف بتاريخها العميق، وليس باحتياجها المالي..موقف شعبي عارم مساند لإيران، وموقف رسمي ظاهره التوازن وجوهره الأصيل هو الانحياز لحق إيران في الدفاع عن وجودها في المنطقة، كجزء أصيل يُمكن إدارة الاختلاف معه..ويقينًا كانت مصر ستكسب الكثير، أطنان من أموال المساعدات، لو رهنت جيشها وهو من الأكبر في المنطقة بالكامل، لصالح الخليج..لكنها اختارت التاريخ على حساب المصلحة المؤقّتة، ولو كانت إيران قد خسرت الحرب، لدفعت مصر قبل غيرها أثمانًا لا يُمكن تصور فداحتها..
تركيا..قوة عاقلة ورشيدة في المنطقة..متحالفة مع الأميركيين في رباط وثيق اسمه الناتو، ولديها ملفات تحتاج لموافقة البيت الأبيض عليها..لكن براعة الأتراك في التحول بهدوء تٌحسب لهم..لديهم حلفاء أقوياء في قطر، ومصالح استثمارية واسعة مع الرياض وأبو ظبي، ورغم ذلك لم تسمح تركيا بخوض الحرب من أراضيها ولم تنجر لمواجهة مع إيران بفعل صاروخ أو إثنين جرى اعتراضهم..الحرب فرصة استثمارية هائلة لبناء تحالفات جديدة أو التخلص من أخرى تجاوزها التاريخ مع قبض الثمن المناسب..لكن تركيا لم تفعل..لم تُعامل إيران كقوة الماضي البائدة، ولم تنظر للخليج كقوة المستقبل القادمة..ونجح رهانها..
باكستان..وهي كالثنائي السابق..مصر وتركيا..كلهم حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدّة..وتزيد عليهم باكستان باتفاق التعاون الدفاعي مع السعودية..وهذا لوحده قيد على الحركة كان بإمكانه دفع باكستان لخيارات عنترية من قبيل توريط جيشها في العدوان الأميركي-العبري-الخليجي على إيران..لم يكن الإيرانيون والباكستانيون يومًا سوى متنافسين بحكم الجغرافيا المتلاصقة..لكن المؤسسة العسكرية الباكستانية في لحظة الاختيارات المعقّدة استثمرت رصيدها، في بناء تواصل مع نظيرتها في إيران..الحرس الثوري..وبعد تصفية القيادة الدينية في إيران، وانهيار ثقة طهران في كل المنطقة، كان من الاستحالة بناء جسور ثقة مع الإيرانيين، لنقل رسائل وبناء منهج للتفاوض..وكانت باكستان على قدر الحدث..والفضل في ذلك لاستخباراتها وجيشها..
هذه الدول الثلاث..مصر وتركيا وباكستان..بكل الحسابات الممكنة..كانت سوف تستفيد ألف ضعف لو اختارت الانحياز للخليج..تلال من الأموال التي تُنفق على الموالين، ما بالك لو كنت صاحب جيش عملاق وكثافة سكانية هائلة كحال الدول الثلاث؟..لكن لو فعلوا..لكانت السيطرة على المنطقة بأكملها قد دانت للكيان..الحفاظ على توازن الردع بين إيران والخليج والكيان والولايات المتحدة كان هو المصلحة الاستراتيجية القصوى للقاهرة وأنقرة وإسلام آباد..ونجحوا في قيادة المنطقة إليه..لأن إيران المنتصرة هي الوحيدة التي سوف تسمح بحفظ موقعهم في المستقبل..وهذا نجاح باهر..
ولا يُمكن بالتأكيد نسيان سلطنة عُمان..البلد الذي لا يعرف كثيرون أنه القُطر العربي الوحيد الذي هزم إمبراطورية عملاقة كالبرتغال، وحرر السلطنة من استعمارها، بل واستولى في عهد أسرة اليعاربة في القرن الثامن عشر على مستعمراتها في شرق إفريقيا..عُمان الدولة الوحيدة بين العرب التي ظلّت محتفظة بمستعمرات حتى عام 1962 في زنجبار..السلطنة التي لم يكن مستغربًا عليها أن تقف وحيدة في باديء الحرب وهي تُندد بالعدوان الأميركي وبحماقة دول الجوار..وإن كان الجميع..مصر وتركيا وباكستان سيتحمل حال الخسارة الإيرانية أثمانًا قاسية، فالسلطنة كانت، بحكم الجغرافيا الملاصقة، ستتحمل غضبًا لا يُمكن التنبؤ بعواقبه..ونجحت عُمان..
مشروع الشرق الأوسط الجديد انهار..لن يحكم الكيان المنطقة..ولن تمر الاتفاقات الإبراهيمية على أجساد أهالينا..ولو أدركت مصر وتركيا بالأخص اللحظة الفارقة..لو علم البلدان أنهما بمفردهما قوة الردع الوحيدة المتبقية، وأن عالمًا جديدًا سوف ينشأ من رحم تعاونهما..لخُلق محور في المنطقة بين القاهرة-أنقرة قادر على إعادة صنع الشرق الأوسط..هذه اللحظة هي الأولى في تاريخ المنطقة التي تنهار فيها كامل الترتيبات الأمنية الموجودة منذ نصف قرن..
الكيان فقد قدرة الردع وبات ضربه داخل أرضه أسهل من شربة ماء، والخليج انهارت بنيته العسكرية الأميركية وأصبح لقمة سائغة للجيران، والأميركي في طور شيخوخة، وانهزم أمام قوة ناشئة عملاقة اسمها إيران..وكل ذلك يفتح الباب أمام مصر وتركيا..ولو فاتت الفرصة..لن تعود..صحيح..ما هو القاسم المشترك بين مصر وتركيا وباكستان وعُمان؟..التاريخ..وشتّان بين قوى لديها مخزون يعلمها التصرف وقت الأزمة، وممالك من بواقي الجاز، لا يحكمها سوى الحقد، الذي يعود ليفتك بها.




