ترامب أعلن التوقف عن خطته لتدمير محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام كاملة..
إيران فهمت اللعبة جيدًا..فاوض بيد واضرب بالأخري..ماذا فعلت إيران خلال الخمسة أيام الاولى من مهلة ترامب؟..قصف شديد على الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، وأرسلت رسالة خفيفة للكويت التي توجد بها قاعدة عريفجان الأميركية ودمّرت 7 خطوط كهربائية، في إشارة لما يُمكن أن تفعله لو ضُربت محطات النفط والغاز الإيرانية، ثم أرسلت 12 موجة صاروخية تجاه الكيان، واليوم تحديدًا كان القصف مضاعفًا، لأن الجبهة اللبنانية أرسلت بمفردها 110 صاروخ، مع استهدافات واسعة لدبابات العدو التي تقدمت داخل جنوب لبنان..إيران تعلّمت من أخطائها السابقة، وتتعامل مع الأميركي كما يستحق..لو كان ترامب يرغب في أن نكون خانعين ونقدم تنازلات تحت وطأة المدافع، فليكن مدركًا أن مدافعنا هي الأخرى لن تتوقّف..وليخض الطرفان مفاوضات تحت القصف، وليس إيران وحدها..ولم تجري أميركا مفاوضات تحت النار سوى مع ثلاث في تاريخ..فيتنام، طالبان، واليوم إيران..
ترامب يحاول اللعب على نفسية إيران طوال الفترة السابقة..دمرناكم، سوف نسحقكم، نجهز لغزو بري، سفن برمائية من سنغافورة سوف تصل خلال ساعات، 12 ألف عنصر من المارينز..وكان البرتقالي المختل يتوقّع أن تهرول إيران خائفة، وتبيع كل شيء، فقط لأن بضعة آلاف من المارينز سوف يصلون للمنطقة..إيران بالأصل كسرت الحاجز وتستهدف الجندي الأميركي المحصّن داخل قواعد الخليج، وأعادت منهم 14 في أكفان، و200 مصاب، وهم المحميين بصواريخ باتريوت ومنظومة ثاد وألوف الجنود الخليجيين..تجهّز لغزو بري أثناء التفاوض؟..حسنًا..سوف تضاعف إيران قصفها الصاروخي من جهة، وتبدأ في زراعة الألغام حول الجزر المستهدفة من جهة أخرى..وهي تعلم مقدمًا أن الطبيعة إلى جوارها بتضاريس قاحلة وملايين من عناصر الباسيج ينتظرون قدوم أميركا لأراضيهم واستقرارها لساعات مع صورة مشرقة بالنصر..ثم فجأة تدكّ رؤوسهم فتصهرها في الخوذ الحديدية، تاركة إياهم في احتضار طويل، بطيء ومؤلم..إيران تفعل المعجزتين..تضرب عمق العدو في واحدة، وتؤمن البيئة الداخلية في الثانية..وإن اختار ترامب التفاوض ستكون جاهزة بشروطها، وإن اختار تصعيد مستوى الحرب فستكون مسيرات شاهد وصواريخ فاتح خير جواب..
وحتى اللحظة..قرابة شهر من القصف..شهر تعرّضت فيه لألوف الموجات من الهجمات بأحدث الأسلحة وأشدها فتكًا..ولم يصل الأميركيون حتى اللحظة لمخازن الصواريخ المحصّنة تحت الجبال، لدرجة أن المختل روبيو يقول بأن صواريخ إيران لم يعد مداها يتجاوز 2 كيلو، فتطلق طهران سريعًا صاروخ مدى 1600 كم في قلب حيفا..ولأول مرة في تاريخ العرب يجلسون لأسابيع طوال وقد اعتادوا خبر قصف الكيان لدرجة أنه أصبح مُكرر وممّل، ولا يدهشنا سوى الخسائر الثقيلة كما في ديمونة وعراد..اما خنزير فاطس منهم و1500 أسرة تُهجّر في أيام أصبحت للعربي أخبار اعتيادية..ولم يكن من الممكن في حياتنا أن نتخيل ذلك لأننا اعتدنا أن مفاهيم النزوح والخراب والأنقاض هي حصرًا لنا..واليوم أصبحت مع الصواريخ الإيرانية ممكنة..
اليوم يُمدد قرار عدم قصف المنشآت الكهربائية..ببساطة لأن ترامب لا يُمكن أن يفعلها دون أن تُظلم إيران الخليج في دقيقة ونصف..ظلام دامس يطال عشرات ملايين البشر، بعد إغراق كثيف بالصواريخ والمسيرات..ويقينًا فهمت بعض الدول الخليجية الدرس الإيراني قاسيًا، وأدركت بالقوة وحدها أن المعاناة لن تكون فقط من نصيب إيران..ظلام بظلام، وطاقة بطاقة، ونفط بنفط، وقاعدة بإثنتين..هكذا فهم اثرياء النفط الحقيقة، بعد أن تملكتهم أوهام مهرجانات الترفيه وظنوا أنهم قوى عظمى بعقود مليارية للاعبي الكرة، وفي النهاية جروا مهرولين صوب الوسطاء المصري والتركي والباكستاني ليتولى نيابة عنهم منع اندلاع دمار للطاقة لو بدأ في إيران، لن ينتهي إلا في قصور حكامهم..
إيران بعد شهر تفرض إرادتها..ولا إرادة دون سلاح..وسيلف ترامب ويجرب ألاعيبه، ويحضر قواته، ويستخدم خنزيره اللقيط في الكيان، ولن يحصد شيئًا من إيران إلا كما أرادت هي..طاولة مفاوضات لا تشرف إيران بالجلوس إليها، إلا حينما تريد..لا تصفية المرشد أثرت، ولا الغدر بعلي لاريجاني أفلح، ولا مليون قنبلة سوف تلوي ذراعًا تعلم كيفية الصمود وهي التي خاضت أطول حروب القرن العشرين ونجت منها..ليست جمهورية موز لاتينية..بل هي فكرة متغلغلة في قلب عشرات ملايين البشر الذين وقفوا لجوارها طيلة نصف قرن..ويخطيء من يعتقد أن العقائديين يخافون الرحيل..بل جلس أكبر رأس في إيران في مكتبه، وخرج ثاني أكبر مسئول في تظاهرة على رأس شارعه..ما بالك بما يستعد ملايين المواطنين لتقديمه، في سبيل عدم انكسار أمة كاملة..
السلاح فقط هو ما يصنع الهيبة..التصنيع المحلي فقط هو ما يضمن الكرامة..والعقيدة فقط هي من تصنع قيادة صامدة وشعب يناضل من تحت وطأة الفقر..والرد ببطش هو ما يجبر الأعداء، أشد الأعداء فتكًا، على التوسل إليك للتفاوض واحترامك..ولا تنسى أبدًا..هذه حرب بدأها ترامب وهو يظنّ أن استسلام إيران مسألة وقت، واليوم هو بنفسه من يخرج كل ربع ساعة، ليقول بأن المفاوضات جيدة مع النظام الذي أراد إسقاطه..هذه حرب ظنّوا أنها سوف تخلق شرق أوسط جديد مخانع، وها هو الشرق الأوسط الذي جنيتموه..قوة متوسطة في الإقليم تحتقر أكبر إمبراطورية، وترسل أطنان من صواريخها صوب 7 دول مرة واحدة..دولة اسمها إيران..أرادوها لقمة سائغة، فقلبت الأرض من تحت أرجلهم جحيمًا لا ينطفيء..وغدًا سوف يتعلم الجميع من بعدها الطريق..أميركا بكل أساطيلها عملاق تائه، والكيان بكل جبروته هدف سائغ ، والخليج بكل ثروته ضبع ضامر..وهذا كل ما سوف يتبقّى في نهاية القصة.
