ترامب يتحدث عن هزيمة ساحقة لإيران، والاقتراب من النصر، وأن الحرب سوف تنتهي خلال فترة قصيرة..
متى يُمكن القول أن إيران انهزمت فعلًا؟..
تسليم المخزون النووي..إيران لديها 450 كجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%..ولا أحد يسأل نفسه..ماذا لو سقطت إيران، ووجدت تلك الكمية طريقها للسوق الدولية؟..هذا هو قلب الصراع من الأصل..قوة إيران النووية..وأميركا حاولت على 3 مراحل استئصالها..الأولى باستهداف العلماء، ونجحت جزئيًا في تحييد 15 من خيرة العقول العلمية الإيرانية خلال عشر سنوات..والثانية بتدمير المفاعلات الكبرى في نطنز وبوشهر..والثالثة وهي تسليم الكمية المخصّبة، ومن هنا بدأت المفاوضات..أي حديث عن انتصار أميركي دون قيام مجتبى خامنئي بتسليم مخزونه، هو محض هراء..مع العلم أن إيران بالتأكيد طورّت التقنية، للوصول لتلك المسافة، بنية علمية وتكنولوجية قادرة على العودة من جديد، لو توافرت الفرصة..
تقييد مدى الصواريخ..لمدة عشرين سنة كاملة طوّرت إيران أعقد منظومة صواريخ باليستية في تاريخ الإنتاج العسكري في المنطقة..العراق سبق بمحاولات في الثمانينات والتسعينات بتعديل على مديات الصواريخ السوفياتية ووصلت بالفعل إلى قلب عاصمة الكيان في حرب الخليج الثانية، لكن إيران أنتجت التجربة الأعظم، من الصفر وبخبراء محليين، استطاعت تطوير صواريخ مدى 2000 كم..ما يحاول ترامب تطبيقه هو بالضبط ما فعله بوش الأب مع العراق بعد حرب الكويت..تقييد لمدى 300 كم فقط..إذا لم توافق طهران في أي تسوية على التقييد، فأيضًا أي حديث عن انتصار هو وهم..ومرة أخرى ما تزال إيران تمتلك ال Know-How وهي مسألة لا تستطيع أميركا مصادرتها إلا إذا واصلت عمليات الاستهداف لكل شخص يمتلك أي حصيلة علمية وتطبيقية ساعدت في صناعة البرنامج الباليستي، وهذا ربما يكون مستحيل التطبيق..
الإطاحة بالنظام..ترامب بنفسه وضع سقفًا للانتصار، وصعّب الأمور على نفسه، عندما خرجت تصريحاته هو ورئيس وزراء الكيان تتحدث بشكل حاسم على أن النظام في طريقه للسقوط، وأن ذلك هو المفتاح الوحيد لتغيير الشرق الأوسط..وهنا لم يحقّق ترامب أي نجاح يذكر..إيران استبقت وقصفت الانفصاليين الأكراد الإيرانيين في إقليم كوردستان العراق منذ اليوم الثاني، وتصدّت استخباراتها والحرس لمحاولة توغّل في صباح اليوم الثالث للحرب، وأكراد العراق فهموا الرسالة ورفضوا أن يتم استخدام أراضيهم كمحطة لوجيستية للإمداد والتموين ضد إيران من حدودها الغربية..والأهم أن ولا شخص واحد داخل النظام الإيراني استجب لإلحاح ترامب بالانشقاق، لا الحرس ولا الدبلوماسيين في الخارج..فقط بضع فتيات في فريق كرة القدم النسائية الإيرانية اللواتي قدمن طلبات لجوء في استراليا..هذا هو ميراث ترامب الذي تفاجأ بوصول أكثر المتشددين تجاه الغرب إلى الحكم..مجتبى الذي يحمل ثارات أسرته التي انمحت في الغارة الأولى..وإن لم يسقط النظام..لا يُمكن لترامب الترويج لأي انتصار على إيران..
هذه هي الشروط الموضوعية الثلاث لتحقيق النصر الأميركي..لكن هنا سوف يسأل أحدهم..وماذا عن الدمار الهائل الذي لحق بقدرات إيران؟..بالتأكيد تعرّضت إيران لضربات متوالية..الأولى هي شلّ حركتها في الإقليم، والثانية باستهداف المنشآت النووية، والثالثة بالقصف الجوي الأميركي-العبري..خسرت نخب من علمائها، وقياداتها الأهم عسكريًا وسياسيًا ودينيًا..وهي كلها لا شك خسائر من العيار الثقيل..ستجبر إيران لسنوات طويلة على إعادة التركيز على بنيتها الداخلية بدلًا من فترة التمدد الهائلة في الإقليم 1990-2023..وربما يُضاف إليها خسارة أخرى..وهي الأهم..الاستباحة..تحويل السماء الإيرانية إلى لبنان جديدة..حرية حركة غير محدودة لطيران العدو، والقدرة المستمرة على اختراق الأجواء وتصفية أي هدف أو الاستباق بضرب أي إعادة إحياء للبرنامج النووي والصاروخي…هذه خسارة..لكن العاصم الوحيد لإيران منها، وهي التي تفتقد بالكامل لمنظومات دفاع جوي متطورة..هو الاحتفاظ بصواريخ سجيل وخيبر شكن وخرمشهر..ضربة عبرية تُقابل بقصف للكيان..وهنا ستكون أميركا قد خرجت من الحرب، وسيتعين على العدو مواجهة القصف الإيراني من جديد بمفرده كما في حرب الإثني عشر يوم..
لكن..بدون تسليم المخزون النووي..وتقييد مدى الصواريخ..والإطاحة بالنظام..تستطيع إيران – كما مصر في حرب السويس 1956 – الإدعاء بقوة كبيرة..أنها لم تُهزم..وستكون ضربة شديدة للدعاية الأميركية القائمة على العروض التكنولوجية المبهرة من السماء، واستخدام قوة صاروخية فائقة الدقّة، وتصفية الرموز والقيادات الكبرى، كمدخل أوحد للنصر..سيكون بمقدور إيران القول بامتياز أنها أول دولة في التاريخ تعرّضت لهجوم مباشر من الولايات المتحدة والعدو العبري، حُشد له حاملتا طائرات و300 طائرة حربية، و50 ألف جندي، وعشرات المليارات من الذخائر..واستطاعت الصمود ولم تقبل بالإملاءات الأميركية..وسنكون أمام حقيقة جديدة للمرة الأولى في المنطقة..في 1967 استطاع الكيان بمفرده سحق أربع دولة عربية بالكامل، مصر والأردن وسوريا وأراضينا المحتلة..وفي حرب العامين نجح في شن هجمات بربرية على القطاع وبيروت وطهران ووصل حتى لتونس بمسيرات لإعاقة حركة الأسطول، وبالتأكيد استهداف الدوحة وصنعاء..لكنها المرة الأولى التي يُصبح فيها مكشوفًا لدرجة أنه لا يُمكنه حسم حرب ضد إيران دون تدخل أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ..وحين تدخلت لم ينجح أيضاً..
إذا لم تُحقق أميركا شروطها الثلاث..فإيران منتصرة في المعركة الكبرى، رغم خسارتها القاسية على أصعدة مختلفة..وليست وحدها..أهم الدول المستفيدة بالتأكيد هي مصر وتركيا..لأن التجربة الإيرانية في النجاة بكل تلك الخسائر، والتجربة الأميركية في عدم القدرة على الحسم بكل تلك الإمكانات..سوف تجهض النموذج الذي دشنه ترامب بمفرده..لا قوة جوية تستطيع الحسم، ولا يُمكن الإطاحة بالدول وسلب مقدراتها بالإغارة..وأن الحرب إما أن تكون كاسحة كما الحالة العراقية في 2003 والأفغانية في 2001 والفيتنامية في 1967 وإما لن تحقق نتائجها..وبالمناسبة في حالتين من الثلاث خسرت أميركا الحرب وخرجت ذليلة..بعد ست سنوات في هانوي، وبعد عشرين سنة في كابول..وأميركا رُعبها الأكبر المقيّد لأي إدارة هو ألوف التوابيت التي عادت من كل جبهات الحروب البرية، ولذا لم يُقدم ترامب على ذلك في إيران..سقوط النموذج البربري الترامبي في القصف الموسّع لإسقاط النظم..مصلحة قومية لدول المنطقة الكبرى..ولأجلها يمكن تحمل كل التكاليف الهامشية من ارتفاع أسعار السلع والمشتقات النفطية..
أما الخاسر الأكبر المطلق هو دول الخليج..نجاة إيران معناه لا شك عزلة عن دول الخليج التي أمطرها الحرس بأكبر قصف جوي في تاريخها، لكنها عزلة مرفقة بتهديد مستدام..كما أن الخليج لن ينسى لإيران القصف، فإيران لن تنسى التواطؤ وسوف يظل لديها المقدرة خلال ثوان وبطائرات مسيرة رخيصة الثمن على شلّ الحركة بالكامل في الخليج..العيش تحت التهديد لجوار إيران، معناه البديهي هو الاعتماد بصورة أكبر على المظلة الدفاعية الأميركية، وهنا الدفع سيكون لا بالقبول والتراضي، بل بالأمر المباشر، ومن أقل مسئول في البنتاجون..أصبحنا أمام حقيقة واحدة لا مفر منها..الخليج بقعة استعمارية، لا تستطيع حماية سمائها دون أميركا..والثمن مئات المليارات..هذا لو نجت إيران..ولو سقطت فالخليج خاسر بالتبعية..لأنه إذا كان عاجزًا عن تحمل قوة واحدة تحتكر القوة، وهي الحرس الثوري، فلن يكون قادرًا رغم الدعم الأميركي، على مواجهة موجات النزوح واللجوء والأهم تفتت القوة العسكرية الإيرانية لكيانات ما دون الدولة التي سوف تخلخل أمن الخليج طويلًا..خسارة من كل الجهات..
تبقّت فترة قاسية من تكسير العظام..فترة لو صمدت فيها إيران دون الإنجرار لتنازلات مؤلمة، ستكسر الغطرسة الأميركية لفترة ليست بالقصيرة، وتتيح لقوى أخرى النمو على أنقاض مشروعها الإقليمي، وبالتأكيد لن تكون هذه القوة هي العدو، الطامح لاستيلاد شرق أوسط جديد يحكمه بالقوة الغاشمة..أمامها فترة عصيبة، من الجنون الأميركي الخام..ولا يُمكن أن يتمنى المرء أكثر من نجاتها بأقل الخسائر..عدا ذلك سيكون على الجميع، وليس الخليج وحده، دفع أثمان الاستعمار كاملة دون حتى تحريك فرقاطة أميركية، ولا تصويب طلقة عبرية..سيكون عهدًا للسقوط والانحطاط والخوف المديد..لا تدافع إيران عن نفسها في تلك المعركة..وإنما هي حجرة عثرة أخير أمام أحط مشروع إمبريالي يُحاك ضد المنطقة، أحط حتى مما قاسته خلال الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية..حجز إن تهشمت حوافه، لا يثمكن تمني تفتت قلبه.



