الكيان ومأساة لبنان

هناك بلد عربي يتعرّض لمأساة مروّعة على يد العدو العبري..ولا أحد يتحدث عنه..لبنان الذي فقد 130 شخص خلال أسبوع، ويتعرّض لدمار قاسي..

هل إيران مسئولة عن أزمة لبنان؟..هل أجرم الشيعة في حق ستة ملايين نسمة؟..وهل جرّ الحزب البلد لحرب مفتوحة بلا سبب؟..هنا سأحاول أن أحكي قصة لبنان..وهي قصة بالغة الأهمية..ليس لفهم لبنان، والكارثة المُقبل عليها فحسب..بل لفهم كيف وصلت إيران وسورية ولبنان والمنطقة كلها، لذلك المصير..

لبنان الذي نراه اليوم لم يكن كذلك قبل مائة عام، كان يشغل مساحة أقل، إلى أن جاء ضابط فرنسي اسمه الجنرال هنري جورو، وأضاف لجبل لبنان بقع جغرافية أخرى، وفصل الشام بضفتيه السورية واللبنانية..وكانت تلك بداية الأزمة..طوائف وديانات وعرقيات أصبحت مضطرة للتعايش إلى جوار بعضها في دولة اسمها لبنان..أبرزهم ثلاثة..المسيحيون الموارنة، والسنة، ثم الشيعة..لابد أن أوضّح لك نقطة شديدة الأهمية..الشام تحكمه دورات متوالية من القهر، عكس وادي النيل، أضرب لك مثالًا..

مصر دولة متسامحة تاريخيًا، قليلة الطوائف أصلًا ولا تعرف سوى المسلم والمسيحي واليهوّ* الذين كانوا يعيشون معنا حتى تأسيس الكيان اللقيط..يندر أن تجد مأساة تاريخية بين الديانات في مصر، يفقد المصري صوابه لكنه يعود إليه سريعًا..أما الشام فلا..تتذكّر الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاوم الاحتلال الفرنسي لبلاده ثم نُفي خارجه حتى استقر في دمشق؟..جزء من شعبيته في العالم كانت بسبب التطرفات في الشام، وتحديدًا عام 1860 عندما حمى في بيته ألوف المسيحيين في سورية بعد بدء مجز*ة على يد الدروز، ترجح معظم المصادر التاريخية أن زهاء 20 ألف مسيحي لقوا حتفهم خلالها..هذه ربما كانت الكارثة الطائفية الأضخم، لكن كانت هناك ثمة كوارث مكتومة في الشام..وباتت على وشك الانفجار..

هل سألت نفسك يومًا لماذا سيطر المكوّن العلوي على الجيش السوري؟..لأنهم كانوا الأفقر ببساطة..كان السنّة بالأساس ومن بعدهم المسيحيون يسيطرون على كل شيء، الأرض والموارد ورأس المال..أما العلوي؟..فلم يكن حتى يستطيع شراء الملح، فكان يذهب للبحر للحصول على المياه المالحة..حافظ الأسد نفسه، جزء من إجرامه العتيد وقسوة قلبه، هو الفقر كما روى بنفسه لأحد أبرز المختصين في الشأن السوري وهو الصحافي ‘‘باتريك سيل‘‘، وذكرها في كتابه ‘‘ الأسد: الصراع على الشرق الأوسط‘‘..روى الأسد الأب أنه اضطر لترك المدرسة لأن والده عجز عن تدبير 16 ليرة، ولم يعد إلا بعد جمعها..16 ليرة فقط..

ثمة رواية أخرى – غير مؤكّدة – لكنها كاشفة لبؤس الطائفة العلوية..رواها أحد أهم الباحثين العرب في القرن العشرين، البروفيسور في هارفارد، حنا بطاطو، في كتابه الأكاديمي الأشهر والأهم ‘‘ فلاحو سورية‘‘..تقول الرواية بأنه كان لحافظ شقيق يُدعى بهجت..ذات يوم خرج بهجت حاملًا أموال بسيطة لطحن الحبوب في جبلة، غير أنه أضاعها..عاد بهجت لوالده علي سليمان، لكن الأب لم يرحمه، ضربه برسن حديدي حتى تشقّق وجهه، ثم قيّده في زريبة..في الفجر دخل حافظ الأسد للزريبة لفكّ قيد أخيه..وجد القيد مفكوكًا..وبهجت معلقًا من رقبته..لم يحتمل بهجت الإهانة وليدة الفقر، فرحل عن الدنيا..يقول حافظ الأسد أنه لم يبك يوماً بعد تلك الحادثة..

كانت الخدمة العسكرية السورية معيبة..في مصر الجندية إلزامية، تسري على الجميع.. أما في سورية التي نتجت عن الاستعمار الفرنسي، كان يُمكن للأغنياء دفع 500 ليرة لعدم التجنيد..كان السنة يدفعون بسخاء، والعلوي لا يستطيع، فيتم تجنيده..حتى استيقظت سورية ذات يوم عام 1955 على خبر دام، عندما تعرض العقيد السني عدنان المالكي للتصفية على يد الرقيب العلوي يونس عبد الرحيم..بدأ العقيد عبد الحميد السراج، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السورية ينظر للدفاتر..كانت الصدمة..وجد أن 55% من ضباط الصف في الجيش السوري علويين، في حين أن نسبتهم في التكوين الديموجرافي لا تتجاوز 8 %..ولم يأخذ الساسة السوريين أي عبرة، بل رفعوا بدل الخدمة العسكرية إلى 5000$ عام 1968..ماذا كانت النتيجة؟..سيطرة علوية أكبر على الجيش..ببساطة لأنهم فقراء..

لماذا يا سيد فلان أدخلتنا من لبنان إلى سورية..ألم يكن أجدر بك أن تركز فقط على لبنان؟..لا..البلدان مرتبطان ومأساتهما واحدة..وبعد القراءة سوف تكتشف السبب..نعود إلى لبنان من جديد..لبنان فجأة أصبح عام 1920 دولة تحت الانتداب الفرنسي..ينمو على جغرافية أوسع وخبرة طائفية أضيق..وبهذه الخبرة وجد اللبنانيون أنفسهم مضطرين إلى بناء دولة..فاخترعوا صيغة تحت وصاية الاستعمار الفرنسي هي الأسوأ في تاريخ الوطن العربي..ما هي؟..أجروا إحصاءً سكانيًا عُرف بإحصاء عام 1932..وبناء على الكتل الدينية والطائفية وزّعوا المناصب..من الأكثر عددًا؟..المسيحيون الموارنة..يحصلون على رئاسة الجمهورية..الثاني؟..السنة..ينالون رئاسة الوزراء..الشيعة ثالثًا؟..رئاسة البرلمان..عُرف ذلك العوار التاريخي باسم اتفاق رياض الصلح-بشارة الخوري..ولم تهنأ لبنان بعده يومًا..لماذا؟..

المسلم السني كانت لديه مرارة هائلة..يرى نفسه جزءً من سورية الكبرى الموحدة، ولا يرغب في أن يكون طرفاً في مشروع انفصالي..المسيحيون الموارنة لم يتقبلوا حقيقة التعايش مع المسلمين بينما انتماءاتهم الفكرية تميل إلى العالم الفرانكفوني..أما الشيعة في جبل عامل فمصيبتهم أكبر، لأنهم تعرضوا لنوعين من التمييز..هم أصلًا فقراء لبنان مقابل البرجوازيين السنة والمسيحيين، وفوق ذلك هناك عائلات شيعية عريقة متواطئة على بيعهم للطوائف الأخرى، وبالأخص عائلات حمادة والمقداد والأسعد والحرفوش والزين وصفي الدين..تخيّل هذا الخليط غير المتجانس في دولة مساحتها 10 آلاف كم؟..جهنم على الأرض..

انتهى الاستعمار وأصبح لبنان مستقلًا وشعاره شجرة الأرز..وعلى اللبنانيون أن يصنعوا الآن دولة..هل نجحوا؟..ببساطة لا..ميراث الكراهية بين الطوائف كان عميقًا..وهنا..أصبح الإقليم حاضرًا..ربما سمعت اسمه سابقًا..كميل شمعون..كان مثالًا لتضارب الانتماءات اللبنانية..ثاني رئيس حكم لبنان بعد بشارة الخوري..كانت الخمسينات بداية المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر..وققرر شمعون تحدّي سطوة الرئيس المصري ورغب في استجلاب الأميركيين للمنطقة، وتمديد فترة رئاسته بما يخالف الدستور، فأشعل ناصر الشارع اللبناني ضده..ارتعب المسلمون السنة من لبنان يسير على يد شمعون لمسار أميركا الذي يعقبه بالتأكيد الكيان..شكّلوا كيانات موالية لناصر ومنها حزب المرابطين، وضغطوا في الشارع، وسقط مشروع كميل شمعون في لبنان..لكن بعد قليل سوف يسقط لبنان نفسه..

منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات..كانت رمزًا لحقبة الستينات..دعمتها مصر ماليًا واستخبارتيًا، لكن ناصر كان من الذكاء بما يكفي لعدم السماح لهم بالعمل من الأراضي المصرية..من أين يشنون هجماتهم على الكيان؟..من الأردن..قوة عرفات كانت هائلة..قوة نظامية مكوّنة من قرابة 40 ألف جندي، تضرب العدو فيرد الأخير بضرب الأردن نفسه..والأهم..أن الانتصار الوحيد في تاريخ الجيش الأردني عام 1968 ضد الكيان، في معركة الكرامة، لم يكن ليتحقق لولا مشاركة منظمة التحرير إلى جوار الجيش الأردني..أصبح ياسر عرفات بطلًا لا يُشق له غبار، ورغم ذلك فقد القدرة على السيطرة على عشرة فصائل تحت إمرته، خصوصًا الجبهة الشعبية..احتقن الشارع والبلاط ضد عرفات، فقرّر الملك حسين التخلص منه بالتنسيق مع الأميركيين فكانت مجز*ة أيلول الأسود 1970..تدخّل عبد الناصر وأبرم اتفاقًا بين الخصمين، وبموجبه غادر عرفات إلى أين؟..بيروت..وتكرّرت نفس المأساة..لكن على نطاق أوسع..

قبل قدوم عرفات لبيروت كان البلد بأكمله غير مستعد لخوض أي حرب ضد أي أحد..ثمة جنرال لبناني شهير، اسمه فؤاد شهاب حكم لبنان من 1958-1963، وأنتج مقاربة جديدة في السياسة اللبنانية، تُعرف باسم الشهابية..وقوتها الأساسية هي التوازن..لبنان بلد عروبي، وليس فرنسي الهوى، لكنه لن يدفع فواتير السياسة في الإقليم، يتصارع الكل ويبقى لبنان على الحياد دون مساعدة العدو العبري..قياسًا على لبان الطائفي، كانت المقاربة معقولة نسبيًا..لكنها تغيّر مع عرفات..عملية ميونخ نسق لها في لبنان، ردّ العدو بعمليات ثأرية داخل أراضيها..قصف وتصفيات، سواء لخلية الأمير الأحمر بقيادة علي حسن سلامة، أو أبطالنا الكبار كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار..إذن جلبت منظمة التحرير لبنان إلى صراعات الشرق الأوسط..صحيح..لكن الحقد المسيحي الماروني عليها لم يكن لهذا السبب فحسب..بل لتغيير التركيبة الديموجرافية..

أصبح للمسلمين السنة كيان عسكري أقوى من الجيش اللبناني..بل أصبح الوجود السنّي أكثر عددًا بألوف مؤلفة من أهالينا الذين استقروا في مخيمات وأنجبوا أطفال..شعر الموارنة بالتهديد المزدوج..مرة من منظمة التحرير ذات الإنتماء السني..والثانية من شيعة لبنان الذين كسروا حاجز الصمت..الإمام موسى الصدر، جمعهم تحت راية واحدة، وأسماها ‘‘حركة المحرومين‘‘، وأقسم ألا يكون شيعة لبنان بعد ذلك على هامش النخب الكليبتوقراطية السنية والشيعية والمارونية..كبر نداء المحرومين، فتحوّل إلى فصيل أمل الذي يمتلك قدرات عسكرية..للسنة جيش وللشيعة جيش..حان الوقت لأن يصبح للموارنة جيش..حان وقت الحرب الأهلية..الموارنة بدأوا في التسلّح..ألوف القطع من المعدات العسكرية تهاطلت عليهم من حليفهم الأقوى الذي كان ينتظر تلك الفرصة..العدو العبري..

في عام 1975 بدأ لبنان أول فصول الصدام العسكري..وأصبح للموارنة جناحين عسكريين هما الكتائب والقوات..كانت مرحلة مخيفة بكل معنى الكلمة..البيت المسيحي العريق في لبنان، بيير وأمين وبشير الجميل، استدعى علنًا العدو العبري..تقدّم العدو واحتل لبنان في يونيو عام 1982، وعمل المسيحيون تحت إمرته، من أجل طرد منظمة التحرير..وفي 30 أغسطس من نفس العام وبعد حصار بيروت وقصفها بصورة جنونية..حصل عرفات على عرض أميركي من الوسيط فيليب حبيب، للخروج رفقة ألفين من كتائبه إلى تونس بأسلحة خفيفة..غادر عرفات وانتهت مشكلة أهالينا في لبنان، لكن أزمة لبنان كانت ما تزال توشك على الانفجار..وقع ما كنا نخشاه..

كلّف حافظ الأسد شخصًا من الحزب السوري القومي الاجتماعي يُدعى حبيب الشرتوني للقيام بهجوم ساحق..كان الهدف هو أحد عملاء الكيان وأحد الرموز الكبرى للمسيحيين اللبنانيين، وهو بشير الجميل..نجحت العملية وبعد الانتهاء من الدفن..اتصلّ كبار القادة العسكريين في الكتائب المسيحية اللبنانية، بالجنرال آرئيل شارون للتحضير لهجوم مروّع على مخيمات أهالينا..3000 ضحية في ظرف 8 ساعات من بدء المجزّ*ة التي ستُعرف لاحقًا ب ‘‘صابرا وشاتيلا‘‘..كان المنفذ يُدعى إيلي حبيقة وتذكر الاسم جيدًا..أصبح لبنان ممزقًا..موارنة يعملون تحت إمرة العدو الذي شكل كتائب للسيطرة على جنوب لبنان عُرفت باسم جيش أنطوان لحد..عملاء في الجنوب وعملاء في بيروت..الكيان يحكم دولة عربية بالكامل ب 120 ألف جندي، وعشرات الساسة والعسكريين اللبنانيين..لكن هناك ضيف ثقيل كان يطل برأسه على استحياء..

سورية الأسد كانت حاضرة..رجالاتها في لبنان كانوا شديدي البطش..غازي كنعان وجامع جامع ورستم غزالة وعلي دوبا ومحمد الخولي..كيف سمح الأميركيون أصلًا بتواجد قوات الأسد في لبنان؟..كانت ترضية مقابل الجولان..سمح البيت الأبيض لسورية بنشر قواتها في سهل البقاع اللبناني، وبالعمل كحكم بين الطوائف السورية وتحديدًا عام 1976، وقبل الأسد بذلك التعويض..وظلّ الحال على ما هو عليه، إلى أن قام جيش العدو بسحق قوات الجيش السوري ليلة احتلال بيروت..خسرت سورية 100 طائرة ولم تخسر نفوذها..وظلّت تلعب بين هوامش الفراغات التي لا يملؤها جيش العدو..وكان لها رجال أشداء..لكن من تحت الركام ظهر لها خصم جديد..إيران..

حركة أمل كانت يد الأسد القوية للسيطرة على الطائفة الشيعية في لبنان..لكن ذلك لن يصمد طويلًا..عام 1979 سوف يظهر لاعب جديد في الإقليم..إيران الإسلامية بقيادة الإمام الخوميني..لم يكتف بالسيطرة على الحكم في إيران، بل سعى للتمدّد في الإقليم..لبنان كانت الساحة المثالية..ومنها بدأ انشقاق قيادات من أمل لتأسيس حزب جديد عام 1982..الحزب الذي يحارب العدو الآن..بدأت حرب مكتومة بين سورية وإيران، بين أمل والحزب، للسيطرة على المشهد الشيعي اللبناني..كانت حربًا موازية داخل الحرب الأهلية الكبرى..وانتصرت إيران على سورية، وانتصر الحزب على أمل..نحن الآن في العام 1989..ومن الآن فصاعدًا لن يكون هناك سوى صوت واحد قوي لشيعة لبنان..الحزب..ماذا عن السنة؟..كيف كانت أوضاعهم؟..

هناك شريط لطيف في عام 1985، يظهر فيها رجل أعمال سعودي بالغترة والعقال ويجلس على طاولة بين الفرقاء اللبنانيين للتوصل لاتفاق ينهي الحرب..بعد سنوات سوف يزيح السعودي غترته، فاسحًا المجال لشعره الأسود المشوب بالبياض، وينزع جلبابه ليرتدي بزّة أنيقة..سوف يصبح رمز السنة الأقوى..رفيق الحريري..للشيعة راعي إقليمي..إيران..وللسنة كفيل ثري..السعودية..أما الموارنة فخرجوا خاسرين..صفّوا بعضهم بعضًا..الوضيع سمير جعجع ارتكب بشاعة لا توصف في حق ابن الرئيس السابق كميل شمعون واسمه دانيال..وتكفلت سورية بالباقيين.ولك أن تتخيل من كان أكبر ضحاياها..حليف بشار الأسد اللاحق، ورئيس لبنان السابق، ميشيل عون..لكن لا بد هنا أن أحكي لك قصة فارقة..عن الولايات المتحدة وسورية الأسد..

نحن الآن في عام 1990..والشرق الأوسط يشتعل..صدام حسين غزا الكويت في أغسطس 1990..ثم فجأة قرّر الأميركيون إنهاء حرب لبنان..حُشدت كل الجهود الإقليمية وتلاقى الأضداد سورية والسعودية، وتمت صياغة اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية بعد 200 ألف ضحية في 15 عامًا..وللدهشة سمحت أميركا لسورية بارتكاب مجز*ة أخيرة مروّعة ضد المتمردين على اتفاق الطائف وفي مقدمتهم الجنرال ميشيل عون، الذي احتمى بقصر بعبدا..قصفت سورية القصر وحرس الجنرال، الذي فرّ للسفارة الفرنسية ومنها لباريس حيث عاش لاجئًا لسنوات طويلة..وقامت قوات الأسد بارتكاب ما لا يُوصف من بشاعات بحق مئات الجنود اللبنانيين..لماذا صمتت أميركا وقبلت باتفاق سلام في لبنان ينمو فيه نفوذ سورية؟..

كان هذا هو ثمن مشاركة 14 ألف جندي سوري تحت القيادة الأميركية في التحالف الدولي لإخراج صدام حسين من الكويت بعد أشهر وتحديدًا يناير 1991..لبنان مقابل العراق..صيغة حققت مصالح كل الأعداء..نحن الآن في عام 1991..لا صوت يعلو على صوت سورية، ولا أموال تفوق أموال السعودية..ولا مصير أسوأ من مصير المسيحيين الموارنة..لم ينس حافظ الأسد ولا من بعده بشار ثأرهم مع الموارنة..أبرزهم منفذ صابرا وشاتيلا إيلي حبيقة الذي سافر إلى جهنم بسيارة..جورج حاوي كان صديقًا لأهالينا وخاض الحرب معهم ضد الموارنة رغم كونه مسيحيًا..كان حاوي رئيسًا للحزب الشيوعي اللبناني..لكنه تجرأ وخرج في مقابلة ما تزال موجودة على يوتيوب ليقول بأن أصغر ضابط استخبارات سوري، يستطيع إيقاف أكبر مسئول لبناني، ويقول له العبارة الشامية النابية ‘‘كول خ*را ولا “..أسابيع وذهب بسيارة أخرى إلى السماء..أعداد كبيرة من الساسة والصحافيين اللبنانيين انتقلت إلى جوار ربها على يد الأسد الإبن..كان يتصرف كحاكم لبنان الأوحد..غرور القوة تعقبه على الدوام كارثة..سيرتكبها بشار الأسد الآن..

لكن قبل كل شيء يجب استعادة خريطة القوة في لبنان..السعودية ترعى السنّة، وإيران عبر الحزب تحتكر صوت الشيعة، وسوريا فوق الإثنين بجيشها المنتشر في لبنان..لكن..هنا لبنان..اليوم حلفاء وغدًا خصوم..اليوم نتناول الطعام سويًا، وغدًا نضع في سيارات بعضنا بعضًا أطنان من السي فور..وفجأة..تصالحت إيران وسورية في لبنان..واكتشفت إيران فجأة أهمية إضافية لسورية..لم تعد إيران ترغب فقط في أن تمتلك السيطرة على الطائفة الشيعية اللبنانية..تطوّر الطموح لنقطة فاصلة..توظيف الحزب في الصراع الإيراني ضد الكيان، وإنشاء أول جبهة ضده في الجنوب..ولم تعد تكفي الكلاشات والبواريد..لا بد أن يمتلك الحزب تقنية أقل مما تمتلكها طهران..لكنها تقنية فتاكة..الصواريخ..وليس هناك سوى معبر واحد مفتوح..

تحط الطائرات الإيرانية في سورية حاملة أطنان الأسلحة، يمررها الأسد بجيشه الممتد بين دمشق وبيروت، إلى الضاحية وإلى قرى وبلدات جنوب لبنان..أصبح الحزب منذ ذلك الوقت..جيشًا هائلًا..لا..أقوى كيان عسكري عرفه لبنان في تاريخه الحديث..اختلت التوازنات..السعودية خسرت لبنان لصالح إيران وسورية والحزب رغم عشرات المليارات التي ضختها في القطاع السياحي بعد اتفاق الطائف..بدأ شيعة لبنان أول القصة محرومين، وبدأ العلويون في سورية فقراء مسحوقين..وانتهى كلاهما إلى السيطرة على الشام الكبري..يحكم العلويون سورية بالحديد والنار، ويحكم الحزب لبنان بترسانته الهائلة والأهم شرعية الخطاب والممارسة ضد العدو الأبدي..الكيان..

حافظ الأسد كان ديكتاتورًا باطشًا لكنه بالتأكيد كان مخضرمًا في الإقليم..أما ابنه بشار فكان بأرق التوصيفات أحمقًا، جحشًا ناطحًا..نحن الآن في عام 2005..كان السنة بقيادة رفيق الحريري غاضبين من سطوة الجيش السوري وبطش رجاله وبالأخص غازي كنعان..لدرجة أنهم تحركوا دوليًا لكسر الوصاية السورية على لبنان وإجلاء الجيش السوري من أراضيه..في فبراير نفتح الشاشات ونصعق..قرابة 1500 كجم من السي فور تدك لبنان، ويلقى رفيق الحريري ربّه..والمتهم الأول سورية والحزب..وانقلب العالم..وكلّف الأسد سورية هزيمة تاريخية عندما سحب قواته ذليلًا من لبنان، وترك الحزب وحده يواجه كل الاتهامات الدولية المتخيلة حول مسئوليته..ولا شك، ولو انقلبت السماء على الأرض، ولو نفى أشد المتمترسين خلف خنادق المذهب والمعسكرات..لا شك أن روح رفيق الحريري كانت في يد الطرفين..الأسد والحزب..الأسد سارع لتصفية غازي كنعان في حادث هز سورية بطلقتين في الرأس، وفجأة ظهرت خلايا مزيفة تدعي مسئوليتها، ثم اختفى أعضاؤها..

لن يعود لبنان بعد الحريري يومًا كما كان..لكن حظ السيد حسن كان ممتازًا..لبنان عام 2006 يتم أسر جنود من الكيان، الذي شن حربًا هائلة ل33 يوم على بيروت..خرج السيد بانتصاره الأهم الذي جعله بطلًا لا يشق له غبار في قلوب العرب، سنة وشيعة..لا ننسى تلك الأيام، صوره وخطاباته كان في قلب كل بيت عربي، ورأس كل مسلم..ولا حتى أعتى ملك ورئيس كان يضارع السيد في جماهيريته..وفي الخلفية كانت إيران تصنع نفوذها العملاق في لبنان..والأهم في سورية..حافظ الأسد لم يكن يأمن للإيرانيين، أما بشار فقد سلّم دمشق لطهران، لأنه ببساطة لم يعد له حلفاء غيرها بعد الحريري..عاصمتان عربيتان في يد طهران..ومرة أخرى..غرور القوة تعقبه فاجعة..ولن تتأخّر..

هل أحكي لك قصة عن قوة الحزب الهائلة؟..عام 2008 قرّر رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة المحسوب على المعسكري السعودي-الفرنسي، أن يسيطر على المطار وشبكة اتصالات الحزب..علم الحزب بالمؤامرة..المطار يعني وقف دخول مئات ملايين الدولارات من إيران، وشبكة الاتصالات تعني تسليم رؤوس الحزب مباشرة للموساد..دفع السيد بسبعة عشر ألفًا من عناصره، احتلوا بيروت، وعاد شبح الحرب الأهلية..في الأخير انتصر السيد على لبنان جيشًا وحكومة..وليت الحزب اكتفى بتلك المرحلة، وليت إيران توقفت ها هنا..أهلًا بك في الشرق الأوسط..أهلًا بك في الشام الكبير..حيث تختفي المصالح الجيوسياسية وراء شعارات تعبوية طائفية..وبالتأكيد..أهلًا بك في سورية 2011 حينما خرجت الأغلبية السنية ترفض أخيرًا حكم الأسد..وما حدث كان جنونًا..حمزة الخطيب..كيف ننساه؟..زخات الرصاص على أهالي درعا..كيف تُمحى؟..

تصرّف بشار كما يعرف عن والده..لا سياسة..فقط زخات المدافع وحمم الطائرات حتى في وجه شعبه..أصبحت معركة سنة-علويين..بعد أن بدأت حرية في مواجهة استبداد..جُيّشت المنطقة..ودفع السعوديون والقطريون والأتراك مليارات لتسليح سنة سورية، وجاءت إيران بالحاجي قاسم متدرعة وراء خطاب مذهبي..مدد يا علي..لبيك يا حسين..المعركة كانت ببساطة صراع حول طرق الإمداد والتموين من طهران لبيروت والتي لا بد أن تمر حتمًا عبر دمشق..يعرف الحكام والأمراء من كل الأطراف تلك الحقيقة..لكن كيف نبيعها لشعوب لا تُجيد حتى قراءة كتاب؟..الطائفة..وبينما شام أموية، وبين لن تُسبى زينب مرتين..ذاقت سورية 14 عامًا من الفناء..وأصبح الصراع دوليًا..أصبح الهدف الأول تفكيك سورية الأسد..لو كان ديكتاتورًا لما مانع الغرب في بقائه..لكن المقصود كان إيران والحزب وخطوط إمداد الصواريخ..ومن هنا كان تورط الطرفين بكل ما استطاعا دفاعًا عن ساقط كبشار..وما أغرب انتقام الجغرافيا والتاريخ..سورية أصبحت لبنان..

ليست فقط الخطيئة فيما ارتكبته إيران في سورية..بل غرور القوة المهول..أصبحت إيران تتصرّف فوق طاقتها الإقليمية..قوة إمبراطورية من أزمنة غابرة، وتخلّى الحزب عن غطائه المموه كمنظمة تتحرك تحت الأرض، وكشف عن نفسه بكامل هيكله للعدو..استنزفت إيران في دمشق وخسرت..استنزف الحزب في دمشق وتعرض لضربة قاسية في خريف عام 2024 باختراق أمني هائل وتصفية لكل رجالاته التاريخيين..قبل الحزب الهزيمة بمرارة، وخسر كل ما شيّده لأربعين عامًا، وتراجع إلى ما وراء نهر الليطاني..ورغم توقيع الهدنة مع العدو بوساطة أميركية-فرنسية، إلا أن لبنان الرسمي الضعيف والمتآمر أحيانًا، ترك سماء لبنان مستباحة في استهداف كوادر الحزب، ومستودعات سلاحه، وضاحيته الجنوبية، لحد أن الغرور وصل إلى حد قيام كوماندوز العدو بدخول الأراضي اللبنانية واعتقال ضباط سابقين في الأمن العام..لم ينقض الحزب اتفاق الهدنة، ولم يرد…الهدنة عند العدو تعني الاستباحة الكاملة وهو ما كان..حتى قرر الحزب دخول المعركة بعد تصفية المرشد علي خامنئي..وها هو العدو يدّك لبنان دكًا مروعًا..بل ويجهز لإنزال بري، واحتلال أجزاء من الشريط الحدودي، والأدهى أنه يسعى لتغيير التركيبة الديموجرافية في العاصمة بنزوح جماعي لسكان الضاحية الجنوبية معقل الحزب التاريخي..

لا تستطيع تقييم الحزب في لبنان..دون سرد القصّة كاملة..قصة لبنان..بلد نشأ بخطيئة فرنسية، خليط متضاد من السكان والطوائف والملل، إن كان يجمعهم شيء واحد فهو الكراهية..جزر منعزلة يتمترس فيها اللبنانيون خلف زعيم الطائفة..سني كان أم ماروني أم شيعي..لا شك أخطأ الحزب في لبنان..باع قراره لإيران..لكن السنة باعوا قرارهم للسعودية..والموارنة للعدو العبري وفرنسا..وأنت تقيم الحزب لا تنسى أن لبنان كان من قبله بلدًا يُستدعى فيها العدو العبري من الموارنة المسيحيين بلا خجل ولا ندم..خيانة تلو خيانة لدرجة أن شاعر كتب لفيروز أغانيها مثل سعيد عقل يخرج ليستنجد بشارون مكيلًا له المديح..لبنان بلد بلا جيش ولا سيادة ولا أصلًا رابط بين مكوناته..بلد عجز عن صياغة هوية جامعة، ويبيع قراره للأقوى في الإقليم..إن أردت أصلًا معرفة القوة الأكثر نفوذًا بين دول الشرق الأوسط..ما عليك سوى النظر إلى حاكم لبنان..أخطأ الحزب كما أخطأ الجميع..

هي كما قلت لك عادة الشام التي لا تنتهي دورات من الجنون المذهبي والديني وإن ارتدت ربطة عنق وصدحت بالمواويل وتمايلت على أنغامها خصور الفاتنات..سلاح الحزب يقف في وجه لبنان الحديث؟..لم يكن موجودًا في السبعينات وخضتم حربًا جنونية..لم يكن موجودًا عندما حاول كميل شمعون الانقلاب على دستور الدولة الوليدة..إن سقط سلاحه وسلم كل ما يملك؟..كيف سيكون لبنان؟..هل من ضامن وحيد ألا يتحول لدولة تطبيع؟..ألا يُعاد مشروع اتفاق 17 مايو/ آيار بين الجميل والعدو؟..هل من ضامن للنخب السنية والمارونية ألا ترتمي في حضن الأميركيين لتمنح للعدو طوقًا آمنًا؟..لا..

من سيرة لبنان نعرف جيدًا أن ذلك سوف يكون السيناريو التالي..رجال الحزب، من تبقى منهم..عتاد الحزب، ما نجا منه..يخوض حربه الأخيرة في صف إيران..ضد الكيان..ولا..ليست حرب الحزب وحده..بل هي معركة أخيرة قبل نسخة رديئة من الشرق الأوسط..عالم من السلام للعدو، ومن الاستعباد لأبناء المنطقة..ومن هنا لا يسع المرء سوى تمني صمود الحزب، النجاة بأقل ما يُمكن من خسائر بمعنى أدّق..وإن أراد اللبنانيون سحب سلاحه..فأرونا جيشكم الممانع..وإن أرادوا محو خطابه..فرجونا خطابًا غير إخفاض الرؤوس وإحناء الهامات وبيع الذمم..وقتها نفس المدافعين عن الحزب، سيذهبون لنزع سلاحه بأيديهم..وقتها فقط.

صحفي مصري وعضو نقابة الصحفيين ورئيس تحرير موقع وجريدة بتوقيت مصر الإخباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق

اسم

القائمة الرئيسية