استسلام ترامب
المفاجأة المتوقّعة..ترامب يُعلن تعليق الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية، وبداية محادثات مع إيران لوقف كل الأعمال العدائية في الشرق الأوسط..
الصمود الإيراني فقط هو من أوصلنا لتلك النقطة..أن يخرج الرئيس الأمريكي ليكتب اسم إيران بالبنط العريض في تغريدة ويقول بأنه دخل مفاوضات جادة معها لوقف الحرب..ما تحتاجه لمواجهة شخصية مثل ترامب هو عجرفة موازية لعجرفته، وكبرياء يتفوّق على غطرسته..وهذا ما امتلكته إيران جيدًا طوال الحرب..العرب اتبعوا أسلوب مختلف تمامًا..ادفعوا له تريليونات تجنبّا لشرّه، امنحوه أوسمة وأحضروا له الفتيات الراقصات طمعًا في محبته..إيران العكس تمامًا..ترامب دخل الحرب وهو يحسب الإيرانيين كالعرب..مجرد التهديد قد يدفعهم للخضوع، والضربة الأولى سوف تدفعهم للاستسلام..ولم يحدث..
ضربة على مكتب المرشد؟..سوف نصعّد ابنه الأكثر عنادًا للحكم..قصف هائل على المواقع العسكرية الإيرانية؟..سوف ترد إيران بضرب كل القواعد العسكرية الأميركية على امتداد خمس دول كاملة، وكافة المنشآت الدبلوماسية، لدرجة تجعل واشنطن تسحب كامل رعاياها فورًا من 14 دولة خوفًا من الغضب الإيراني..منشأة الطاقة الأهم في عسلوية؟..حسنًا بنك الأهداف الإيراني في حيفا والدوحة والرياض والمنامة وأبو ظبي سيتم ضربه خلال 24 ساعة..محطة بوشهر النووية، مقابلها ديمونة العبرية..العين بالعين والسن بالسن..وبينهما عالم كامل تحتجزه إيران في جيبها الأصغر..وتمنع عنه الوقود عبر مضيق هرمز، وهو يقف عاجز عن التورط في الحرب، خوفًا من الحرس الثوري..هذا لم يحدث قط في تاريخ المنطقة بالكامل..لا دولة واحدة تجرأت على الرد بتلك الطريقة على الولايات المتحدة..ولم تكن إيران لتنجح بالكبرياء وحده..لا..لأنها جهزت اقتصاد حرب كامل لمدة أربعين سنة قادر على امتصاص الضربة الأولى، والرد بعدها في عمق مصالح العدو..
الرد الإيراني عل ترامب جاء مزلزلًا كما ينبغي..قصف على مقرات الأسطول الخامس الأميركي في البحرين ثم قاعدة الأمير سلطان في السعودية..ثم خرجت الخارجية الإيرانية لتنفي إجراء محادثات مع ترامب، بل وأكدت أن إغلاق المضيق مستمر..لا شك أن هناك محادثات..لا حروب تدوم طوال العمر..لكن حتى في الرد على ترامب، تحتفظ إيران بالكبرياء كاملًا..لا نهرول لمجرد أنك كتبت تغريدة..وستظل صورايخنا في قلبك وقلب حلفائك..ببساطة..لأن إيران لن تُخدع مرة ثانية بهذا الهراء..العرب هم من مولوا الحرب بأموال النفط..خمس تريليونات دولار لم تكن لشراء أسلحة أميركية ولا مجرد رضاء ترامب..كانت ثمن الخلاص من ‘‘الكابوس الإيراني‘‘ الجاثم على أنفاسهم والمعطّل للتطبيع مع العدو..وثقت إيران مرة في 2025 فجاءتها حرب الإثني عشر يومًا، وكانت مستعدّة..وثقت ثانية في محادثات مسقط، فحصدت الحرب الحالية، وكانت جاهزة فوق ما تخيّل العالم بأكمله..واليوم تعلم طهران أن الغدر الأميركي-العربي-العبري هو الاحتمال الأقرب، فتخوض المفاوضات بأصبع، وتضرب الكل بالتسعة الباقين بلا رحمة..
إيران مرّغت كرامة ترامب في الوحل..يرغب في تسويق الأمر على اعتبار أن تهديده بضرب محطات الطاقة هو من جلب إيران للتفاوض..حركة نصف كم لا أكثر من رئيس اعتاد الكذب كما يتنفّس..لكن الحقيقة الوحيدة الواضحة..أن إيران مرغّت صورته في الوحل ومعها السمعة الأميركية كقوة باطشة لا تُرد لها كلمة..لدرجة أنه لم يعد أمامه مخرج من الحرب سوى التفاوض مع إيران نفسها التي قال أنها انتهت ألف مرة، وأنه لن يجلس معها على مائدة واحدة ألفي مرة..ولو كان ترامب يستطيع قصف المنشآت الكهربائية الإيرانية والفوز بالحرب، لما تردّد لدقيقة واحدة..لكن العناد الإيراني والمقدرة الهائلة على إشعال المنطقة بالكامل، لو تعرّضت مصالحها لخطر وجودي، هو في النهاية من قادنا لتلك النقطة..نقطة يخرج فيها ترامب يُعلن بداية مفاوضات لأسبوع كامل، وتنكر إيران بنفسها..والآن يبحث ترامب عن صورة تجمّل الهزيمة..عن مشهد أخير للانسحاب الكريم من وحل المعركة..عن فتح لمضيق هرمز الذي عجز عن تحقيقه بالقوة العسكرية..ولم يجد سوى المفاوضات..
الخليج هو الشيء المثير للشفقة فعلًا..إيران تصمد بشكل أسطوري وتفرض كلمتها على العالم بأكمله، وسوف تخرج من الحرب وهي تجلس ندًا لند مع الإمبراطورية التي أرادت محوها فلم تقدر..العدو العبري وجد نفسه في مواجهة وضع شديد القسوة بضربات صاروخية إيرانية كبّدته خسائر فادحة، لكنه سيظل على الدوام خنزير أميركا المتوحّش الذي ينال الرعاية والحماية لأسباب عقائدية قحّة..وأميركا نفسها ستظل أميركا قوة تكنولوجية فائقة، وتعلم كيف تجمّل وجهها بعد كل صفعة من فيتنام لكابول وأخيرًا طهران..أما الخليج..فبئس المصير..سوف ينهزم ترامب أمام إيران ويترككم أمام دولة لن تسامح في حقها، ولن تنسى يومًا أنك كنتم أول الخونة..وستكون أعماركم القادمة ممزّعة بين أميركا وإيران..الأولى تحلب ثوراتكم بحجة الخوف من إيران، والثانية يد أصغر عسكري قادرة على محو أكبر رأس فيكم بمسيرة ثمنها ألفي دولار..
كل جنتكم النفطية سوف تقلبها طهران عليكم جحيمًا لو أرادت غلق هرمز، وكل أبراجكم التي تختبيء فيها رؤوس الأموال الكولومبية والصينية والروسية المشبوهة، معرضّة للمحو خلال ثوان..لن يثق فيكم مستورد للطاقة، ولم يأمنكم مافيوي غربي على أمواله..هذا الذل السحيق صنعته أيديكم وتحصدونه علقمًا..أم حسبتم أن أرواحكم أغلى من أرواح الإيرانيين؟..أم ظننتم أن طهران كعواصم العرب التي استبحتموها بالمرتزقة؟.أم اعتقدتم أن أميركا إله تعبدونه من دون الله؟..لا والله..فجأة أجرى الله على يد الحرس انتقامًا من ألف ألف روح مكلومة من اليمن للسودان للقطاع..فجأة هدّمتم بروجكم المشيّدة فوق رؤوسكم فلا تستطيعون فرارًا..لا عصمتكم أموالكم، ولا أنجتكم خياناتكم..اليوم يعلم الكون كله أن نهضتكم العمرانية وهم، وأن ملابسكم المرصعة بالماس زيف..واليوم اليوم تذيقكم إيران بأسًا يخضع، وألمًا يفجع..وتستحقون أضعافه..
احفظ ذلك التاريخ كما اسمك..إيران من أمة منبوذة، لدولة يسعى أكبر رأس في العالم لاتفاق معها..إيران من دولة تآمر عليها أشر المخلوقات، لدولة قادرة على فرض إرادتها بسلاحها..احفظ اليوم الذي أصبحت فيه القواعد الأميركية هدفًا، وليس حصنًا..وأضحى فيه المارينز نعاجًا وليس أسودًا..هذا ليس عالمًا كسابقه..هذا عالم سوف تصبح فيه أميركا عبئًا على الحليف، وهدفًا سائغًا للخصوم..هذا عالم تحوّلت فيه أراضينا المحتلة لساحة حرب ضروس، لا لمخابيء يختفي فيها جرذان المستوطنين..
هذا عالم شاهدنا فيه دبي كالخرطوم، والكويت كبيروت..ولم يكن لذلك أن يتحقق لولا إيران..لولا أمة صمدت وتعلم الجميع من بعدها الطريق..أمريكا لا تقابلها بخنوع العربان..أميركا تسحق رأسها فقط بالسلاح..علمّنا هو تشي منه فنسينا، ذكرّتنا الطالبان فأعرضنا، وأحيا أبطال القطاع فينا الأمل فخذلنا..واليوم ترسخ طهران الدرس ولن يُمحى..أرادته الولايات المتحدة شرق أوسط خانع..واليوم تحصده جنّة للمتمردين..قصف الكيان أصبح نزهة، ودمار حاملات الطائرات غدا فسحة، وسحق رؤوس الطغيان في الخليج أمسى على بعد خطوة..هذا كل ما سوف يبقى من الحرب..وهذا ما فعلته بكم إيران..ولن يُنسى.
